الخميس، ٥ نوفمبر، ٢٠٠٩

ارحموا الدعوة..وكونوا دعاة

ارحموا الدعوة .....وكونوادعاة


لا أحب ان أتناول ما يكتبه الاخرون مهما كان اختلافي مع افكارهم لانني أؤمن ان لكل انسان الحق ان يعبر عن اراءه واجتهاده البشري ، ولكن أخرج عن هذه القاعدة هنا وقد راعني هذا المقال الذي اتناوله الان، ليس لأنني اختلف مع افكاره فحسب ولكن لأنني اراه تطورا جديدا في في سلسلة افكار ليست من افكارنا ولا تتفق مع ما تربينا عليه وتعلمناه ورغم انني احسن الظن بنية من يكتب هذه المقالات واحترمهم ، الا ان ذلك لا يمنع ان ندق ناقوس الخطر ونحن نري ممارسات و افكارا غريبة يتم دمجها والحاقها بفهمنا الوسطي ، وليس لها اصل سوي انها وجهة نظر من كتبها واجتهاده وتخرج علينا كأنها تمثل الدعوة ورؤيتها وفلسفتها ، والدعوة التي عرفناها تبرأ من هذه الافكار وهذا الاسلوب في التخوين والاساءة الي المختلفين في الرأي، ان موجة الارهاب التأصيلي التي لا تستند الي صحة استدلال ولا منهجية شرع وترتدي ثوب الدفاع عن الدعوة وهي مسيئة بكل المقاييس ، لو علم اصحابها كم يجنون علي الدعوة لامتنعوا عن ذلك ، وانتقل الي المقال الذي يجسد ما اشرت اليه ويحمل افكار اساسية خطيرة هي :

1 – احتكار الحقيقة ونفي الصواب عن كل الاخرين العاملين للاسلام

2 – وضع الاخوان في مقام جماعة المسلمين وليس جماعة من المسلمين تفهم الاسلام بشكل معين

3 –استدعاء مفاهيم مرفوضة رفضا باتا كدار الايمان ودار الجاهلية وفكرة المفاصلة بين المؤمنين والكافرين رغم اننا الان في دولة مسلمة ولسنا في دولة كافرة

4 – لي النصوص الشرعية والاستدلال غير السليم بها علي صحة كلام الكاتب ورؤيته

5 – التفتيش في نوايا الاخرين والطعن في كل مختلف في الرأي واتهامهم بتشوش المرجعية وموالاة اعداء الامة ومحاولة شق صف الدعوة

6 – ممارسة محاولات الاغتيال المعنوي ونزع الانتماء عن ابناء الدعوة لمجرد اختلاف بعض ارائهم وجهرهم بها

7 – الهمز واللمز والضرب تحت الحزام لرموز نعتز بهم وبأرائهم وافكارهم مع اضفاء هالات الحرص والربانية والخوف علي المصلحة وعلي المنهج وعلي النقاء لتبرير هذا التشويه

نستعرض المقال لنشير الي ما احتواه من افكار واساليب فجعتنا خاصة وقد تم نشره بموقع الجماعة الرسمي

في توقيت بالغ الحساسية بعد ازمة مكتب الارشاد الاخيرة ومشكلة تصعيد الدكتور عصام

ونشير باللون الاحمر الي العبارات التي تستدعي التوقف عندها :

المقال

لك الله يا دعوة الخالدين

طريق الدعوة طريق واحدة، سار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من قبل، وسار الدعاة عليها بتوفيق من الله من بعد إيمان وعمل ومحبة وإخاء، فقد دعا الإمام البنا إخوانه بما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى الإيمان والعمل، ثم جمع قلوبهم على الحب والإخاء، فاجتمعت قوة العقيدة إلى قوة الوحدة، وصارت جماعتهم هي الجماعة النموذجية التي لا بد أن تظهر كلمتها وتنتصر دعوتها، وإن ناوأها أهل الأرض جميعًا، ولقد ربت هذه الدعوة أبناءها كي يعيشونها واقعًا ملموسًا كما عاشها الجيل الأول من الصحابة الكرام، يعيشونها من حيث تطبيق هذا الدين في واقع الحياة بين مكة والمدينة، فتارة تكون مكية وأخرى تكون مدنية، فهم يعيشون في دار الأرقم مثلما يعيشون في المسجد النبوي، يعيشون الاضطهاد تارة والتمكين أخرى، ويعيشون مشحونين بالثقة في وعد الله لعباده المؤمنين بالتمكين وبإذلال أعداء الله من الكافرين والظالمين والمستكبرين الذين يناوئون الدعوة ويقهرون أبناءها، ويعيشون مدركين أن الغلبة في النهاية لأولياء الله وحملة رسالاته الذين ربوا أنفسهم؛ فارتقوا بخصائصهم وثقافتهم والتزامهم ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُم الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور: من الآية 55).

صور ثلاث

إن دعوة الله هي دعوة الخالدين، جعلها الله في حفظه وحمايته، حتى قال أحد أساتذة الدعوة: "هذه الجماعة يحفظها الله، وإن عشرات المواقف عبر التاريخ لتبين ذلك"، ولقد سخر الله لها من المؤمنين من يقومون على حراستها من بعد الأنبياء والمرسلين، من الأصفياء المجاهدين, الذين آمنوا بسمو دعوتهم وقدسية فكرتهم، وعزموا صادقين على أن يعيشوا بها أو يموتوا في سبيلها، ويتمثل حفظ هؤلاء لدعوتهم وتتمثل مهمتهم فيما قاله الحبيب صلى الله عليه وسلم: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين".

لقد شهد تاريخ الدعوة الكثير والكثير من تلك الصور الثلاث "تحريف الغالين- انتحال المبطلين- تأويل الجاهلين"، وإن الجماعة لتتعرض دائمًا لمثل هذه الحملات بين الحين والآخر، بغرض هز الصف وإحداث تشقق فيه، وإن الإثارة الإعلامية على دعوة الإخوان لم ولن تتوقف، وهذه هي حقيقة الصراع بين دعوة الله ومن عاداها، ومن أجل ذلك كانت تلك الوقفات مع هذه الصور الثلاث.

تحريف الغالين

لقد نصح الله أهل الكتاب قائلاً: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة: من الآية 77)، وهي نصيحة لازمة لأصحاب الدعوات أيضًا، وقد ابتليت دعوة الله عبر تاريخها ببعض من هؤلاء الذين مالوا عن الوسطية، وخرجوا عن حدود الاعتدال، وانصرفوا عن المعنى الأصيل الصحيح، وحادوا عن الإطار الشرعي الذين وضعته الدعوة لفهم الإسلام، فتشددوا فيه وجاوزوا الحد وأفرطوا، فهذا نوع مما ابتليت به دعوة الله، وسماه الحبيب "تحريف الغالين"، وإن هذا الغلو لهو آفة وبيلة، ولا تنتشر إلا حينما يغيب الدعاة الربانيون الراسخون في العلم والتربية والتكوين، وما زال سمت هذه الدعوة بل ومن أخص خصائصها الوسطية والاعتدال والبعد عن التطرف في الفكر أو القول أو العمل أو السلوك، فلا غلو في دعوتنا ولا تطرف ولا مغالاة، بل اعتدال وتوازن وتوسط، وإن أنصار الدعوة وحملة الرسالة الحقيقيين من يقومون بتنقية هذه الدعوة من كل ما هو رديء من القول والعمل في الأفكار أو السلوك أو الممارسة الدعوية اليومية، ويقومون بتنحية وإبعاد هذا الصنف من طريق الدعوة؛ ليتم لها التمايز بين الدعوات بصفاء الفهم ونقاء العمل، وما كان كتاب "دعاة لا قضاة" إلا خطوة على طريق تصحيح المسار للغالين وردهم إلى جادة الطريق ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف: من الآية 108).

انتحال المبطلين

وقد تتعرض الدعوة وتبتلى بصورة أخرى من صور الابتلاء الواقعي، والذي يتمثل في هذه الشريحة التي تقبل عليها بشبهاتها وأباطيلها، والتي يبغي أصحابها أن يخرجوا بالدعوة عن حقيقتها إلى الزور والبهتان؛ ليلبسوا على أصحاب الدعوات دعوتهم ومنهجهم الأصيل، وذلك بما يدخلونه على الدعوة من أباطيل وشبهات، بأن يأتوا إليها بأفكار وأطروحات غير الحق المبين، وإن شريحة المبطلين لتعمل ليل نهار من أجل إطفاء نور الله ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ (الصف: من الآية 8) من خلال إثارة الشبهات حول الدعوة، ووضع أحاديث مكذوبة عليها وعلى قادتها وأبنائها، أو إدخال بعض الأفكار التي ليست منها، وابتداع أفكار مغايرة لنهج الإخوان ودعوة الناس إليها، وتحميل أفكار الدعوة ما لا تحتمله من معانٍ، ولكن ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (التوبة: من الآية 32)، وواجب أصحاب الدعوات هنا نفي مزاعم المبطلين من المدعين على الإسلام والدعوة، وكشف صور انتحالهم المختلفة وفضح أمرهم، وأقوى صور القضاء عليهم يكون بتمسك الدعاة بثوابت دعوتهم، والبقاء في فلك الإطار الفكري والشرعي والتنظيمي لدعوتهم، وعدم الخروج عنه قيد أنملة.

تأويل الجاهلين

وقد تبتلى دعوة الله بما يمكن أن نسميه تأويل أهل الجهل الذين يحاولون تشويه حقيقة الدعوة؛ فيحرفون الكلم عن موضعه، وينتقصون من الدعوة بعضًا من أطرافها، فيخرجون منها ما هو من صلبها، ويقدمون فيها ما حقه أن يتأخر، ويؤخرون ما حقه أن يتقدم، وغالبًا ما يكون الجهل مقترنًا بفقدان الأدب واتباع الهوى والتطاول على قادة الدعوة، وهذا سمت من لم يشرب روح الدعوة ولم يعش لها وبها، ولم يكن لهم رسوخ في علوم الدعوة ولا مناهجها التربوية، ولم يكن لهم من أركانها العشرة حظ ونصيب، فلا صحة في الفهم، ولا تجرد للحق، ولا تضحية بلا طمع أو بخل، ولا إرادة بلا ضعف، ولا وفاء بلا تلون أو غدر، فكان التساقط على الطريق والانحراف في الفهم، والإعراض عن المحكمات واتباع المتشابهات ( يؤكد كل سطر هنا ان الكاتب لا يتحدث عن خصم خارجي بل عن افراد داخل الدعوة ينعتهم بكل هذه الصفات والاتهامات )

، قال تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (7)، وقد يزداد وقد يزداد البلاء حينما يحاول هؤلاء لي أعناق مبادئ وأفكار الدعوة وتأويلها بالهوى، دون مراعاة لضوابط وقواعد وأصول الدعوة، وربما ساندهم في ذلك المبطلون والمضللون فآووهم وسلطوا الضوء عليهم، وربما وضعت أفكارهم وتأويلاتهم في محل الدراسة والنقاش وتلقين الناس اياها ( واضح جدا من يقصدهم الكاتب الكريم سامحه الله )

تلك هي مهام حفاظ هذه الدعوة من القائمين على أمرها من الدعاة المربين المورثين لها والناشرين لفكرها والمبلغين لرسالتها والساعين لتحقيق أهدافها؛ مهام ثلاثة بها نصون مبادئ هذه الدعوة، ونحافظ على ثوابتها، وإن دعوة الله اليوم بحاجة إلى أنصار الدعوة وحراس الفكرة الذين يحملونها ويحمونها ويبصرون الناس بها من غير زيادة أو نقصان، فلا تتغير عبر الأيام، ولا ينحرف بها عن مسارها ولا يعكر صفو نقائها أحد من الغالين أو المبطلين أو الجاهلين، وبذلك يحقق أنصار الدعوة لها الحماية اللازمة والتوريث الجيد والبقاء والخلود؛ حتى تكون بحق "دعوة الخالدين"، وإن دعوة الله بحاجة اليوم إلى الصادقين من الإخوان المسلمين، كي يدفعوا عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فيميزوا هذه الدعوة بالربانية والفهم الصحيح الشامل، ويقدمونها للعالم بيضاء نقية كي يفتحوا بها البلاد وقلوب العباد.

إن الدعوة باقية وستظل باقية بحفظ الله لها وبتمسكنا بثوابتها وبتحقق الأخوة الصادقة فيما بيننا، وبأن نعيش الدعوة وفق ما تربينا عليه، وبأن نركز دائمًا على حسن صلتنا بالله، وبألا نلتفت لما يردد هنا أو هناك، وأن نقوي ثقتنا في الله وفي دعوتنا وقادتنا وفي أنفسنا، والله أكبر ولله الحمد ... انتهي المقال

انني ارفع هذا المقال لكل صاحب عقل وحكمة وخلق ورؤية ، لننتبه جميعا الي الخطر الكامن بداخلنا ونحن نري هذه الافكار المرفوضة تتسلل الينا ويتم تقديمها وعرضها علي انها من ادبياتنا ، ان حرصنا علي الدعوة ونحن ابناؤها وغراسها يحتم علينا ان نقف بجدية امام كل من يحاول ان يضفي القداسة علي فهمه البشري الذي يحتمل الخطأ والصواب وكل من يحاول اقصاء من يخالفه وجهات النظر في فروع واجراءات وليس اصولا وثوابت وكل من يحاول ان يجر الدعوة لافكار انعزالية ذات خلل شرعي وفقهي وفكري بدعوي الحفاظ علي الدعوة ، ليست دعوتنا ملكية خصوصية لأحد يفكر لها كما يشاء ويوزع صكوك الانتماء والولاء وينزعها عمن يخالفه ، هلي ملك لنا جميعا ولكل واحد فيها نفس الحق الذي يوجد للاخرين ، علي من يطالبون بالربانية وحفظ الاخوة والحب في الله ان يراجعوا انفسهم اولا وهم يتهمون اخوانهم ويجرحون فيهم ويلصقون بهم كل نقيصة لمجرد الاختلاف في الرأي

اللهم طهر قلوبنا واخلص نياتنا وألف بين قلوبنا انك علي ما تشاء قدير.


كتبها / مصطفي النجار

الأربعاء، ٤ نوفمبر، ٢٠٠٩

الإخوان والقرضاوي.. المرجعية وحدود الاختلاف

القرضاوي

كتبها / ابراهيم الهضيبي

خلال أقل من شهر صدرت من بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين تصريحات صحفية وبيانات ورسائل مسيئة لاثنين من علماء هذه الأمة، يفرقهما اختلاف المواقف السياسية وبعض التوجهات الفكرية، وتجمعهما المرجعية الإسلامية والمكانة العلمية المرتفعة والانتماء للأزهر الشريف- كبرى المؤسسات العلمية الإسلامية، وهما فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي –رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وفضيلة الدكتور علي جمعة- مفتي الديار المصرية.

والحق أن أي متابع للتيار الإسلامي لا بد وأن يشعر بقلق حقيقي حينما يرى هذا التعدي من أبناء الحركة الإسلامية على القامات العلمية الإسلامية الكبيرة، فالأصل أن تدور الحركة الإسلامية في إطار المرجعية العلمية الإسلامية التي يمثلها علماء الشرع، وإذا سارت الأمور على هذا النحو فإن الخلاف بين الطرفين يصير أمرا مستبعدا، إذ أن كلا من الطرفين له مجالاته التي يتحرك فيها وينشط من خلالها، ومساحة التداخل بينهما صغيرة وتحكمها ضوابط واضحة.

تدخلات متبادلة

بيد أن الصورة الواقعية للعلاقة تختلف عن تلك المثالية، فالحركة الإسلامية تتدخل في بعض المسائل العلمية، والعلماء يتدخلون أحيانا في بعض المسائل الحركية، وهذا حقهم، مع ملاحظة أن آرائهم السياسية هي خارجة عن أصل تخصصاتهم، وبالتالي فإن كلامهم فيها ليس عَصِيًّا على النقد، وإن كان النقد في المسائل العلمية ينبغي أن يكون من مجتهد مكافئ للعالم في علمه، فالأمر ليس كذلك في المواقف والآراء السياسية والفكرية، ولكن بالطريق المؤدب اللائق من طلبة العلم تجاه العلماء الكبار والمجتهدين المحترمين.

وغني عن البيان تدخل السياسيين في المسائل العلمية أخطر من تدخل العلماء في المسائل الحركية، إذ الخطأ في المسائل السياسية ليس كالخطأ في المسائل الشرعية التي ينبني عليها – عند الإسلاميين – العمل الحركي بكافة أبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها.

وهذا التداخل المتزايد في الأدوار (بدخول العلماء في المسائل التنفيذية التفصيلية، وتدخل الحركيين في المسائل العلمية الشرعية) يؤدي إلى وجود مساحات من اختلاف وجهات النظر، وهي غير معتبرة في الساحة العلمية (إذ رأي غير المتخصصين فيها غير معتبر) ولكنها مهمة في الجانب الحركي، وتلك المساحة هي التي تظهر فيها صلابة المنظومة الأخلاقية وعمق الفكر عند الحركيين، إذ أن احترام منزلة العلماء يفرض أولا إحسان الظن بهم، وحمل كلامهم على أفضل تفسيراته، وإدراك أبعاده ومعانيه المختلفة، وإدراك أن الخلاف مع هؤلاء العلماء إنما يجوز خارج مجال تخصصهم، بمعنى أنه لا يصح أن يناقش الحركيون العلماء في المسائل العلمية، وإنما يمكن لهم أن يناقشوهم في المسائل السياسية والفكرية التي تخرج عن صميم تخصصهم العلمي، أما المسائل العلمية –وإن كان لا قداسة فيها لأحد سوى المعصوم صلى الله عليه وسلم- إلا أن دخول غير المتخصصين مع المتخصصين في جدل حولها هو نوع من الاجتراء وسوء الأدب، ينطبق ذلك على العلوم الشرعية كما ينطبق على العلوم المختلفة.

دعوة المفتي لمراجعة عقيدته

وهذا كله بدا غائبا سواء عند مناقشة تصريحات فضيلة المفتي (الذي يختلف فكريا مع الإخوان) أو فضيلة الشيخ القرضاوي (الذي يمثل مرجعية علمية وإلى حد كبير فكرية للإخوان)، فأما الأول فقد سارع بعضهم إلى تأويل حديثه عن ضرورة الفصل بين العمل الخيري والدعوي والعمل السياسي إلى اعتبار ذلك دعوة لحصر الإسلام في العمل الدعوي والخيري لا دعوة للفصل الإجرائي الذي يأتي من باب احترام التخصص، وتبع ذلك سوء أدب مع العلماء تضمن دعوة للمفتي –بناء على ما سبق- بأن يراجع عقيدته!!

.. والقرضاوي للتوبة

وأما ما يحدث الآن مع الدكتور القرضاوي (بعد تصريحاته الأخيرة التي اعتبر فيها إبعاد الإصلاحيين بالجماعة خيانة للدعوة) فلا يقل عن ذلك سوءا، حتى وإن غلف من الخارج بألفاظ توحي باحترام فضيلته، فإن الاحترام في المضمون أهم منه في اللفظ، فهذه المقالات والتعليقات التي جاءت ردا على تصريح فضيلته أجمعت في معانيها على أنه يتبع الظن ويستقي معلوماته من مصادر غير موثوقة ثم يصدر أحكاما، وأنه انقلب على ما ظل عمره يدعو إليه من احترام الشورى والمؤسسية، وأنه يتحدث بغير علم، وأنه يشعل نار الفتنة في الإخوان، وأنه ينحاز إلى تيار تقوم أجندته الإصلاحية على أسس ليست إسلامية، بل إن بعض التعليقات تدنت عن هذا المستوى ودخلت في تفصيلات تتعلق بالحياة الشخصية لفضيلته لتوظفها في محاولة لكسر مصداقيته كي لا يكون لتصريحاته أثر، هذا بالإضافة إلى عشرات النصائح له بالتوبة عما قال (كما لو كانت ذنبا) قبل أن يلقى ربه، عساه يلقاه وقد برئت ذمته من هذه الخطيئة الكبرى!!

ولست في منزلة الدفاع عن من هم مثل الشيخ القرضاوي، وليس فضيلته بحاجة لذلك، فالخاسر بإساءة الظن والأدب بالعلماء هم من أساؤوا الظن والأدب، ولكن مرور تصريحات مثل هذه من دون تعليق عليها يسيء إلى الحركة الإسلامية وفي القلب منها الإخوان تنظيما ومدرسة (والثانية أوسع من الأولى، والأولى إن لم تعبر عنها فقدت شرعيتها)، فالحركة إن أساءت الأدب مع العلماء وخرجت عن الدوران في فلكهم صارت هي مرجعية ذاتها، وهي ليست أهلا لذلك، وصار الحركيون يتحدثون باسم الدين، وهم ليسوا أهلا لذلك، ولا المجالات التي يتعاملون فيها تحتمله، وبالتالي فمحاولة تحليل ما قاله الشيخ ليست دفاعا عنه بقدر ما هي نقد لظاهرة غير صحية تتعلق بعلاقة الحركة الإسلامية بالعلماء.

مصادر القرضاوي

أما بخصوص ما قاله فضيلته فأتصور أن افتراض أنه لم يستق معلوماته من مصادر موثوقة هو افتراض باطل، فقد صرح بأنه تحدث مع مرشد الإخوان الذي حدثه بتفاصيل ما جرى، واللافت للنظر هنا هو أن ذلك التوضيح موجود في قلب التصريحات التي استاءت منها قيادات الإخوان، مما يدع المرء أمام خيارين لا ثالث لهما؛ فإما أن من علق على تصريحات فضيلته لم يقرأها كاملة واكتفى بالعناوين ثم علق عليها –وتلك مصيبة- وإما أنه قرأ ما قاله الشيخ وقرر تجاهله- وتلك أيضا مصيبة، ولا أدري في الحقيقة أيهما أكبر، إذ الثانية (التجاهل المتعمد) لها هي الأخرى تفسيراتها، فهي تعني أن الكاتب لا يصدق الدكتور القرضاوي فيما ادعاه من مصدر معرفته، أو أنه لا يعتبر مرشد الجماعة شخصا موثوقا في عدالته، وأما الخيار الثالث فهو أن تكون الصحيفة قد حرفت تصريحات الشيخ القرضاوي، وهو خيار باطل نفاه مكتب الشيخ كما نفاه نشر الخبر على موقعه.

القرضاوي والشورى

ثم إن إدعاء أن موقف الدكتور القرضاوي هو نكوص عن مواقفه من الشورى والمؤسسية هو ادعاء يفتقر للرؤية المتعمقة؛ إذ تنبني هذه الدعوى على أن المسألة إنما تتعلق بالحلقة الأخيرة من سلسلة طويلة من الإجراءات وهي التصويت على قبول أحد تفسيري اللائحة فتجعل اعتراض فضيلته اعتراضا على ما آلت إليه نتيجة هذا التصويت لا ما سبقها من خطوات وإجراءات ولا ما صاحبها من أهداف وتوجهات، وهو ما يطرح أسئلة جادة عن السبب الحقيقي للجوء للائحة (التي تم تجاوزها في أحيان كثيرة بدعوى مصلحة الجماعة والدعوة) وعمل بحث لدراسة إن كانت اللائحة تسمح بالتصعيد (هذه المرة تحديدا لا في المرات السابقة) ثم اختيار المكتب الكامل لهذا التأويل البعيد للائحة (الذي لم يجر عليه العمل في الجماعة) ثم دفاع الإخوان عن ذلك باعتباره التزاما باللائحة (والغالبية العظمى من التنظيم لم تقرأ اللائحة ولا تعرف عنها شيئا وتكاد لا تهتم بها).

وقد لا يكون من الحكمة الخوض في تفصيلات هذه الأمور ومحاولة عرض دقائقها التي دفعت الشيخ للإدلاء بتصريحاته، فليس هذا مكانها، وإنما كان لا بد لمن تصدى للرد على فضيلته أن يضع كلامه في موضعه الذي أراد ثم يناقشه بدلا من محاولة تصويره كما لو كان رفضا للشورى.

ثم إنه لمن سوء الأدب مع العلماء أن يناقشهم العوام بالدليل والبرهان من القرآن والسنة، فقد تعلمنا أن الدليل إنما يناقشه ويقدر عليه أهل الاختصاص، وفهم الدليل الشرعي مسألة شديدة التركيب فيها مباحث لغوية ومنطقية يفنى العلماء أعمارهم في دراستها، واستخدام الدليل الشرعي في مساحات المصالح المرسلة، أو منطقة العفو كما يطلق عليها الشيخ القرضاوي هو استخدام للنص في غير ما أنزل من أجله، وهو افتراء واجتراء على النص.

أجر المجتهد

وأما أن يطلب البعض من فضيلته التوبة عما قاله فإنه يدل على جهل مضاعف، إذ يضاف بذلك إلى الجهل الأول (بعدم إدراك مقصده مما قال) جهل آخر هو عدم معرفة أن للمجتهد أجرا إن أخطأ (إن كان من أهل الاجتهاد بكل تأكيد)، والشيخ اجتهد في هذه المسألة وقال رأيا قد يختلف البعض حوله، ولكنه في نهاية المطاف مأجور عليه بفضل الله.

ويبقى أخيرا محاولة البعض تعريف فضيلته بمحاسن الإخوان، وببذلهم وتضحياتهم في سبيل دعوتهم، وبأنهم لا يبحثون عن مناصب ولا جاه، وإرشادهم إياه إلى أن الإصلاح الذي يسانده هو إصلاح مخالف لمنهج الجماعة، وهذا الكلام –على عواره- لا يستحق ردا، ولذلك فقد امتنع الشيخ من الرد عليه، إذ إن فضيلته تمتد صلته بالإخوان أكثر من أعمار من يعرفونه بهذا، وهو أعرف بمنهج الجماعة من هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم مدافعين عنها، فقد رافق مؤسسها –كما رافقه مرشد الجماعة الحالي- وشرب منه منهج الجماعة أيام كانت تسير على نهج الإمام البنا.

وقد يكون من المهم في هذا الإطار الربط بين تصريحات الشيخ الأخيرة وتصريحاته المتعلقة بأفكار الأستاذ سيد قطب رحمه الله، والتي اعتبرها فضيلته خارجة على منهج أهل السنة والجماعة وأكد بعض قادة الجماعة ثبات الجماعة عليها والتزامهم بها، ويلزم من ذلك قطعا –ومع إصرار قيادات الجماعة على موقفهم من الشهيد قطب، ومع ما علمه من تفاصيل الأزمة الأخيرة- أن يعتبرهم فضيلته قد خانوا الدعوة!!

إن أكبر الأخطار المحيطة بالإخوان ليس الخطر الأمني، فذلك لا يؤثر على أفكار الجماعة ومنهجها، وإنما أخطر المخاطر على الجماعة هو خطر من داخلها، خطر أن تصبح الجماعة مرجعية ذاتها فلا تقبل من أقوال العلماء إلا ما وافق أجندتها، وتتحول هذه الأجندة بالتالي إلى المرجعية والعلماء إلى وسائل لخدمة هذه المرجعية، وقتها ستكون الجماعة بحق –كما ينعتها أعداؤها بالباطل- تستخدم الدين لخدمة السياسة لا العكس، وحاشاها أن تكون كذلك، والحمد لله رب العالمين.

الأحد، ١ نوفمبر، ٢٠٠٩

قراءة متأنية فى أزمة تصعيد عصام العريان

قراءة متأنية فى أزمة تصعيد عصام العريان

كتبها علي زلط

بقدر ما أحدث الخلاف الأخير داخل مكتب الإرشاد جدلاً كبيرًا بين المتابعين للإخوان، وألمًا رهيبًا فى صدور أبناء الجماعة، بقدر ما كشف عن تباين كبير فى الأفكار طالما سعى الإخوان لإنكاره، وفرض نفسه بقوة فى أزمة تصعيد الدكتور عصام العريان لمكتب الإرشاد، لكن جذوره أعمق من ذلك، وهنا يمكن للمتأمل والمتابع أن يكتشف ويلتقط بعض الإشارات لتحولات صامتة داخل أكبر جماعة إسلامية فى مصر والعالم الإسلامى، أورد بعضها فى نقاط:



١- ضيق المسافة بين العام والخاص:
حتى وقت قريب، كان الفصل بين ما هو عام وما هو خاص فى الإخوان عملية صعبة، يشق على أفراد الجماعة وقيادييها الحديث فيها، ويفضلون احتواء ومعالجة أى مشكلة فى أضيق نطاق، لكن الأزمة الأخيرة التى دارت أحداثها فى مكتب الإرشاد ربما ترتب لوضع جديد، يتمثل فى مناقشة العمل التنظيمى الإخوانى على الملأ، وفى وسائل الإعلام، لأن الإخوان هم الفصيل السياسى الأكبر فى صفوف المعارضة المصرية، ويطرحون أنفسهم طرفًا مشاركًا فى العملية السياسية، ودون الإخلال بحقهم فى ترتيب بيتهم الداخلى، من الواجب عليهم طمأنة المجتمع الذى يسعون لقيادته بحقيقة نواياهم الديمقراطية، وقدرتهم على استيعاب الأفكار المختلفة التى تروج فيه، فضلاً عن إفساح المجال للتيارات الفكرية المتباينة داخل الإخوان لتأخذ حجمها الطبيعى.

فوجئ الإخوان بأخص خصوصياتهم تناقش فى وسائل الإعلام، ولم يعتد الصف ذلك، ولم يعد مفيدًا اتهام الإعلام باستهداف الجماعة، وتحالفه مع الأمن لتشويه سمعتها، ولما وجد الإخوان مرشدهم ونائبه يجاهران بما حدث على الهواء مباشرة بدأ البعض يتقبل- على مضض- فكرة علنية مناقشة أمور الجماعة، وهذه خطوة مهمة على الإخوان أن يدربوا أنفسهم عليها.



٢- أزمة أفكار لا موقف من أشخاص: يختزل الحقيقة من يصور الأمر كما لو كان موقفًا مبيتًا من أعضاء مكتب الإرشاد ضد عصام العريان، لم يكن الرجل الذى اكتسب احترامًا واسعًا داخل الإخوان، وفى الأوساط السياسية مقصودًا بذاته، لكن تيارًا يفرض الوصاية على فكر الجماعة، وينصب نفسه حارسًا لتراث الإخوان، يسعى للاستئثار بالتنظيم، وينتزع لنفسه حق توجيه الإخوان، ولدى من الشواهد ما يؤكد أن بعضًا من قيادات الصف الأول لديه حساسية مفرطة من الفكر الإصلاحى ووجد فى الاستبعاد حلاً أمثل لضمان أن يظل الإخوان كما يهوون، ومن تلك المواقف ما حدث مع الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح حين كتب مقالاً بعنوان «دولة العدل والقانون»،

أهمية المقال أنه يخلص- فى تحليله- إلى أن وسطية الإمام البنا لا تعارض ترشيح الأقباط والمرأة لمنصب الرئاسة، طالما أنهم يؤدون واجب المواطنة، وتم نشر المقال مترجمًا على الموقع الإنجليزى للجماعة، وحجب المقال عن الموقع العربى، وكان رد مسؤولى الموقع أن وجهة نظر أبوالفتوح تخالف الرأى الرسمى للجماعة وفقهائها، وهنا لا يخلو الموقف من دلالة واضحة هى الوصاية على فكر الإخوان من بعض آراء مفكريها.

وفى موقف مماثل، نشر موقع أمل الأمة- إخوان الإسكندرية- حوارًا مع الدكتور إبراهيم الزعفرانى- المحسوب على التيار الإصلاحى- قال فيه إن فى الإخوان مدرستين، مدرسة التنظيم التى تولى البناء الرأسى وضم عناصر للتنظيم أهمية أكبر، ورائدها المرشد الراحل مصطفى مشهور، ومدرسة الدعوة التى تولى نشر الفكر الوسطى فى المجتمع أهمية أكبر، ورائدها المرشد الراحل عمر التلمسانى، أثار الحوار ضجة كبيرة وتصدى الأستاذ جمعة أمين عبدالعزيز، عضو مكتب الإرشاد لهذا الفكر فى سلسلة مقالات عن وضوح الرؤية، هاجم هذه الفكرة، وجزم أن الإخوان مدرسة واحدة لا ترتبط بشخص مرشدها أيًا كان، ولا يطبع المرشد الجماعة بطبعه، ونشرت المقالات بالموقع الرسمى للجماعة، وتم تدريسها فى كتائب الإخوان ومتابعة المكاتب الإدارية فى توصيلها للقواعد.

ليس المقام هنا مقام تصيد لأحد من قيادات الإخوان الذين أكن لهم كل الاحترام، لكن المطلوب هو تفسير سياسة الحجب واستغلال مواقع الجماعة وأطرها التنظيمية فى فرض وصاية وتوجيه رأى واحد للقواعد الإخوانية.



٣- سقوط هيبة المرشد: على مدار تاريخ الإخوان، شهدت الجماعة خلافات بين المرشد وأعضاء مكتب الإرشاد، لكن الجمعية العمومية أو مجلس الشورى كان ينتصر للمرشد، ربما كان هذا نوعًا من الشعور بالأبوية، ولها فى تراث الإخوان شواهد، منها أن البيعة تعطى لشخص المرشد، لكن الثابت أن رأيه مرجح وشرعيته أكثر رسوخًا، فحين عارض الأستاذ حسن الهضيبى مجموعة عبدالرحمن السندى، وقرر حل النظام الخاص، واجه أعضاء فى مكتب الإرشاد الهضيبى، وحاصره السندى، لكن الجمعية العمومية للإخوان انتصرت لمرشدها، وكذلك فعلت مع الأستاذ عمر التلمسانى لما أراد الانفتاح على المجتمع وعقد تحالفات مع كياناته السياسية.

أما فى الموقف الأخير، وجد المرشد الأستاذ محمد مهدى عاكف نفسه وحيدًا، ومكتب الإرشاد يجمع على استبعاد عصام العريان، وطالما كان الرجل يسعى لحفظ بيضة الإخوان، وتمثيل كل الآراء بنسبتها الطبيعية فى أعلى سلطة بالجماعة، لكن الرجل دفع ثمن إيمانه بالتجديد، ويحسب له أنه رسخ لمفهوم الانتخابات فى مواقع الجماعة بدءًا من الطلبة ومرورًا بالشعب وانتهاء بالمكاتب الإدارية.

مواقف عاكف الانفتاحية أحدثت صدمات كهربية عملت على إفاقة جسد ضخم من سبات عميق، لكن سجن الشاطر وإخوانه حال دون اليقظة الكبرى، والرجل الذى عاش فترة من عمره فى ألمانيا يعشق التجديد والديمقراطية الداخلية. خرج من موقعه حزينًا خائفًا على جماعة أفنى من عمره قرابة ٢٠ عامًا فى السجون حتى ترى النور بعد طول محن وابتلاءات، ومع خروجه سقطت هيبة المرشد، وحاول الجناح المحافظ فى الإخوان تصوير الأزمة على أنها انتصار للمؤسسية، وأن عاكف يضرب مثلاً للإخوان فى تنازل المرشد عن رأيه، واحتكامه للأغلبية، لكن تصعيد الدكتور محمد مرسى بعد وفاة أحمد حسنين بنفس الطريقة التى كان عاكف يريد بها تصعيد العريان عززت الاعتقاد بوجود نية مبيتة لاستبعاد أصحاب الفكر الإصلاحى من مكتب الإرشاد الذى ضم خمسة جددًا محسوبين على التيار المحافظ.





٤- خطوات على طريق المؤسسية الموجهة: فى الوضع المثالى، جميل أن يحتكم الإخوان للوائح وآليات الشورى والإجماع، لكن آليات المؤسسية هذه يشوبها نقص بين، فعلى أرض الواقع حدثت تربيطات فى الانتخابات الأخيرة لمجلس الشورى والمكاتب الإدارية، وألقت أجهزة الأمن القبض على مكتب إدارى البحيرة وفيه الدكتور جمال حشمت فى اجتماع استهدف معالجة اعتراض بعض الإخوان على طريقة ونتائج هذه الانتخابات، وبدا أن التيار المحافظ أحكم سيطرته على التنظيم الطبيعى للإخوان فى المحافظات، خاصة التى تشهد كثافة عددية،

وهنا ضمن أنه طبقاً للوائح الحالية ستصل اختياراته للمواقع التى يريدها، وفى الوقت ذاته لا بأس من إسناد اللجان النوعية مثل اللجنة السياسية للعريان والمهنيين لأبوالفتوح، لكن تأثيرهم سيظل بعيداً عن العمود الفقرى للتنظيم، وتستخدم المؤسسية لمزيد من عزلة التيار الإصلاحى.





٥- خطيئة الإصلاحيين: من الصعب وصف الإصلاحيين داخل الإخوان بـ«التيار»، فعبدالمنعم أبوالفتوح وعصام العريان وإبراهيم الزعفرانى، إبداعات فردية، لم يسعوا إلى إيصال رؤيتهم عبر قنوات التنظيم الطبيعية فى الجماعة، لم يتواجد أحد منهم فى الكتائب والمعسكرات التربوية بقوة، ولم يطوفوا مجالس الإخوان ومكاتبهم فى المحافظات، وخطيئة الإصلاحيين الإخوان التاريخية أنهم تحولوا إلى ظواهر إعلامية فى الفضائيات، وطرف فى حوارات المثقفين، وانعزلوا عن التأثير فى التنظيم الطبيعى للإخوان، وحرموا الأجيال الإخوانية الوسيطة والشابة من تجربتهم الثرية لفترة حراك السبعينيات، والنتيجة الطبيعية أن الجيل الذى يملك عصب التنظيم الآن هو إفراز طبيعى للمحاكمات العسكرية، وسحب الاتحادات الطلابية، وتأميم النقابات، وقتل الحياة السياسية.

وفى نهاية المشهد بقيت مجموعة من شباب الإخوان يتوقون للتغيير، ولا يجدون قائداً يلتفون حوله، فاتجهوا لإثارة حالة حوار فى المدونات والفضاء الإلكترونى، لكنها تجارب من المبكر الحكم عليها وتحتاج لنقل الحوار من الـ«فيس بوك»، إلى الحلقات التنظيمية للإخوان، والمراهنة على أنفسهم لا على أحد فى الأخذ بزمام المبادرة، وتحمل نتائجها.




٦- الخيارات الصعبة: ماذا لدى الإصلاحيين الإخوان من خيارات؟.. عصام العريان وأبوالفتوح وغيرهما من الحالات الفردية فى الجماعة لا يسمح التاريخ الطويل لهم فى صفوفها بتكرار تجربة حرب الوسط، انتهت تجربة أبوالعلا ماضى ورفاقه إلى لا شىء، أكثر من ١٢ عاماً فى استجداء الشرعية من النظام لم تثمر عن نتائج، هو خيار - على الأقل فى المرحلة الحالية - مستبعد تماماً.



الخيار الثانى: التحول إلى حالات إصلاحية فردية، تخاطب التيار الإسلامى فى إطاره الأوسع من تنظيم الإخوان، وتراهن على تكوين كتلة حرجة لتغيير أفكار الإسلاميين من تركيا شمالاً إلى السودان جنوباً، وهنا يخشى هؤلاء أن تتحول تجربتهم إلى نظريات لا يتبناها تنظيم على أرض الواقع. آخر الخيارات وأقربها للتحقق: المزيد من الصبر، والبقاء فى الجماعة، والرهان على الزمن فى التغيير الهادئ، لكن سياسة الاستبعاد المنظم من التنظيم مؤلمة، وما يشجع على التمسك بهذا الخيار هو أنه لا بادرة حسن نية من النظام المصرى لتشكيل حزب سياسى للإخوان، فيظل الوضع القائم أفضل ما فى الإمكان، وتأجيل التغيير إلى حين ميسرة جزء من الركود العام للحياة السياسية فى مصر، لكنه يظل خيارًا ليس منه مفر.




كتبها علي زلط

نقلا عن المصري اليوم

الخميس، ٢٩ أكتوبر، ٢٠٠٩

خارطة طريق خطها الدكتور عصام العريان


الآثار الجانبية للحملة البوليسية على الإخوان
د.عصام العريان

لاشك أن هناك عقلاً أمنياً وسياسياً يخطط لتلك الحملات البوليسية الأمنية والإعلامية ضد الإخوان المسلمين والمستمرة منذ أكثر من 17 سنة. ولابد أن تلك العقول تحسب حساب الخسائر والمكاسب في تلك الحملات المتوالية والتي لم تنقطع بل تصاعدت مع مرور السنوات.

وفي الإجمال نجد أن النتائج المتوقعة لم تكن كما يريد المخططون، وأن التداعيات السلبية على النظام السياسي في مجمله وعلى المجتمع المصري وعلى البيئة السياسية من أحزاب وقوى سياسية وحراك اجتماعي وثقافي لم تكن في الحسبان تقريباً.

وفى النظر السريع نجد الحصيلة على الأرض هي:

- تنامت قوة الإخوان السياسية خلال الربع قرن الماضي، فبعد أن كانت الجماعة حليفاً ضمن حلفاء وقوة بين قوى إذا بها تصعد لتكون قوة منفردة تحصد 20 % من مقاعد البرلمان في انتخابات شبه حرة بها قدر من النزاهة وتكسب تأييد قرابة 35 – 40 % من أصوات الناخبين في الدوائر التي خاضت بها الانتخابات .

- في المقابل ضعفت القوى السياسية الأخرى وضمرت تماماً حتى أصبحت هياكل لا روح فيها خاصة الأحزاب الرسمية المعارضة.

- تصاعد الخطاب الإسلامي السلفي في مواجهة الخطاب "الإخواني المعتدل الوسطي وبدت ظواهر اجتماعية نتيجة ذلك الخطاب محل الاهتمام وبدأت معارك جديدة حول النقاب واللحية والشكل العالم للمسلم والمسلمة بديلاً عن المعارك الأخرى حول الإصلاح والحريات والعدل والشورى والديمقراطية ونزاهة الانتخابات وتداول السلطة.

- ساد التعامل الأمني البوليسي في كافة الملفات: سياسية واقتصادية وعلمية وتعليمية وإدارية .. الخ ، وغاب في المقابل التعامل السياسي الإداري وفق قواعد عامة مجردة واختفت بذلك دولة القانون وتحولت مصر إلى دولة بوليسية.

- تضخم التنظيم الإخواني وكسب أنصاراً جدداً غالبيتهم من الشباب والفتيات وازداد امتداده خاصة في المحافظات بالدلتا والصعيد وليس في القاهرة والجيزة والمدن الكبرى التي تقوى فيها قبضة الأمن وتشتد .

الآثار الجانية على الفكرة والتنظيم

وتلك الحصيلة توحي بأن المكاسب الأكبر كانت للإخوان، ولكن هل يعنى ذلك عدم وجو آثار جانبية أصابت الإخوان كفكرة أو جسد تنظيمي.

وإذا سلمنا بأن أي حملة أمنية بوليسية لابد لها من آثار جانبية وخسائر، فيكون السؤال: كيف يمكن تدارك تلك الخسائر وتحويل بعضها إن لم يكن كلها إلى مكاسب ؟

توقع المراقبون والمحللون عدّة آثار جانبية وفق مناهج البحث والتحليل الاجتماعي والسياسي، ووفق خبرات تراكمت من متابعة تطور الحركات الاجتماعية والسياسية كان أهمها :-

[1] النزوع إلى الغلو والتشدد والتطرف بدلاً من المرونة والوسطية والاعتدال.

[2] الاتجاه إلى العنف بديلاً عن الحلول السلمية والنزوع إلى العمل السري.

[3] الإحباط والشعور بعدم جدوى المشاركة السياسية بسبب انسداد طريق الإصلاح السلمي المتدرج .

[4] ترييف الجماعة بتضخم الجسد التنظيمي في الريف الذي يقل فيه الضغط الأمني ويقل دوره في الإسهامات السياسية والفكرية.

[5] فقدان العقل الاستراتيجي الذي يوظّف كافة طاقات الجماعة في حال السلم لتحقيق أهدافها المرحلية وأهدافها النهائية تحت الضغط الأمني المتواصل.

[6] حدوث انقسامات في الجسد التنظيمي الذي يتعرض للضربات الأمنية ويفتقد كل فترة ذوي الخبرة والحنكة التربوية والإدارية بتغييبهم وراء الأسوار.

[7] فقدان الثقة في القيادة التي لم تستطع الخروج من المأزق الأمني والسياسي.

هناك توقعات أخرى لا يتسع لها المجال ولا ترقى لأهمية تلك التوقعات السابقة، وإذا نظرنا نظرة إجمالية سنجد أنه مع طول فترة الضربات الأمنية وصعوبة تحقيق أهداف سريعة لها وإدراك العقل الأمني والسياسي أنه لا أمل في إلغاء أو شطب الإخوان من المجتمع المصري، وكذلك صعوبة – أو قل عدم الرغبة – في إقصائهم تماماً من الساحة السياسية لأهداف يريدها النظام فإن قدرة الإخوان المسلمين على احتواء تلك الضربات وامتصاص آثارها الجانبية الخطيرة مثل الاستفزاز والاتجاه إلى العنف أو الإحباط واليأس من الإصلاح والقعود عن العمل والنشاط ثم المضي قدماً في تحقيق أهداف الإصلاح والتغيير وبناء جسد الجماعة وتجديده باستمرار وتعويض الكفاءات الغائبة بغيرها والإصرار على الوجود العلني الصريح للإخوان ومساهمتهم بقدر الإمكان في النشاط العام البرلماني والنقابي وتواصلهم مع بقية القوى السياسية، هذا كله أدّى إلى تقليص حجم تلك التوقعات التي لو صحت لدمرت بنية الإخوان المسلمين وشوّهت فكرتهم الإصلاحية ولأصاب المجتمع المصري منها ضرر كبير.

الصبر الإيجابي والتضحية

كان للمنهج الذي اتبعه الإخوان لمواجهة تلك الحملات المتوالية أثر كبير في تقليل حجم الخسائر على ذلك المستوى.هذا المنهج يمكن تلخيصه في "الصبر الإيجابي والتضحية والثبات" .وقد استفاد الإخوان من تجاربهم السابقة في مواجهة حملات الحكومات المصرية سابقاً وأهمها حملتان :

الأولى: قامت بها حكومة الأقلية السعدية في أعقاب حادث اغتيال النقراشي باشا وأسفرت عن اغتيال مؤسس الإخوان الإمام الشهيد حسن البنا في 12/2/1949 بعد حل الجماعة ومصادرة أموالها وممتلكاتها ومقارها واعتقال غالبية قياداتها.

وكانت النتيجة بعد عودة الإخوان إلى الساحة أن شاركوا في انقلاب يوليو 1952 مشاركة كبيرة رغم تحفظ وعدم موافقة المرشد الجديد الذي لم يكن أحكم سيطرته على القرار ولا مؤسسات الإخوان، وكان هذا في تقدير المراقبين خروجاً على نهج الإخوان التدريجي السلمي الإصلاحي التربوي، ونزوعاً إلى رغبة عارمة في تغيير الأوضاع من أعلى وليس كما يقول الإخوان من أسفل أي من المجتمع.

أثمر ذلك التغيير الفوقي نتائج مأساوية على الإخوان لأنهم أصبحوا شركاء في سلطة رفضوها وباتوا منافسين على مغانم لم يسعْوا إليها وصاروا قوة كبيرة لا يستطيع أحد أن يقف في وجهها فكان لابد للسلطان الجديد أن يزيحهم من الساحة تماماً وأن يحاول الإجهاز عليهم والقضاء على الجماعة.

الثانية: ما قام به عبد الناصر خلال حكمه بدءاً من 1954 وحتى وفاته عام 1970 من تغييب كامل للإخوان عن الساحة مما أدى في البداية إلى نزوع بعض الشباب إلى التفكير في عمل عنيف أيضاً للانتقام أو للتغيير حتى خرج الشهيد سيد قطب من السجن ليصحح مسيرة هؤلاء الشباب إلا أنه لم تكتمل له الفرصة فبعد شهور انكشف التنظيم وسيق الشهيد البرئ إلى حبل المشنقة ولكن بعد أن أدرك الإخوان أن طريق العنف مسدود وأن مواجهة الاستبداد باتت الفريضة الكبرى وأن العودة إلى نهج البنا وإعادة قرائته من جديد يصحح مسيرة الإخوان ويعيد الرونق إلى فكرتهم بعد ما أصابها من تشويه متعمد طوال الحقبة الناصرية.

لذلك كان الإخوان منذ بداية خروجهم في عهد السادات واكتمال الإفراج عنهم عام 1975 وإلى يومنا هذا يؤمنون بالحقائق التالية:

- عدم جدوى العنف في التغيير وأهمية الالتزام بالمنهج الوسطي المعتدل الذي يمزج بين الدعوة والتربية والمشاركة الاجتماعية والسياسية والفكرية.

- الصبر وعدم اليأس أو الإحباط وأن الوقت جزء هام من العلاج.

- العلنية في العمل والنشاط وعدم الاتجاه إلى السرية والاختباء .

- المشاركة مع بقية القوى الإسلامية والسياسية وعدم الانعزال عنها وفق القاعدة الذهبية: نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.

- أهمية التواصل مع أجيال الشباب وبناء تنظيم اجتماعي قوى يمتد في كل القرى والبلاد وتصحيح المفاهيم المتشددة برفق وتؤدة.

- ولعب الدور الأكبر في هذه المرحلة المغفور له الأستاذ عمر التلمساني وإخوانه الذين كسبوا ثقة الشباب وصححوا مفاهيمهم وربوهم على التجرد والصبر والإخلاص والثبات.

وكان من نتائج ذلك أن الإخوان كانوا – وما زالوا – بعيدين عن كل تنظيمات العنف وأنقذوا آلاف الشباب من الانخراط في تلك التنظيمات، وحاولوا – مع آخرين – تصحيح المفاهيم لدى المتحمسين والمتهورين.

وأيضاً أسهم الإخوان في الحياة السياسية المصرية ببطء وتدرج رغبة في الانخراط السلمي في عملية إصلاح شاملة لبنية النظام المصري السياسي وتعاونوا وتحالفوا ونسقوا مع كل الأحزاب والقوى السياسية من حزب الوفد إلى العمل والتجمع والناصريين والشيوعيين وبقية القوى السياسية والمفكرين.

وشارك الإخوان – مع آخرين – في التأسيس لخطاب إسلامي معتدل يمزج بين ثوابت الدين ومتغيرات الحياة، ويقدم الإسلام كمنهج حياة للأفراد والمجتمعات لا يعوق تقدم المجتمع بل يدفعه لمزيد من التطور والانفتاح على معطيات العلم والتكنولوجيا وثقافات العالم ويؤسس لتعاون أوثق مع بقية حضارات العالم حتى لا ينقطع المسلمون عن الانخراط في تعاون بناء من أجل مستقبل أفضل للإنسانية جمعاء.

واحتفظ الإخوان بثقتهم في قيادتهم وجماعتهم رغم ما أصابهم من وهن وضعف في الاتصالات ورغم تنوع الآراء والاجتهادات.

وظل الجسد الإخوان متماسكاً رغم الضربات الأمنية ولم تحدث انقسامات أو تصدعات وحاول البعض – كما في تجربة حزب الوسط – التأسيس لمشروع جديد كان يمكن أن يكون إضافة إلا أن عناد النظام وشكوكه وتصلبه ورفضه لأي إصلاح سياسي أدّى في النهاية إلى فشل أي مشاريع سياسية أو غيرها مما أضاف إلى قوة الجسد الإخواني ولم يضعفه.

ونزح كثير من الإخوان إلى القاهرة والعاصمة ليقيموا فيها ويحتاجون إلى وقت ليتكيّفوا مع مجتمع جديد لم يألفوه، ويظل الجسد الأكبر مقيماً في الريف محتفظاً بنقائه الفطري ومحافظاً على مكتسبات المجتمع الصغير في ظل انهيارات كبيرة أصابت القاهرة والمدن الكبرى بسبب النمو المتزايد للعشوائيات وما يسودها من انحرافات سلوكية وخلقية واجتماعية.

حسابات الربح والخسارة

هل يعنى ذلك أن الإخوان أفلتوا من الآثار الجانبية للحملة البوليسية الأمنية ؟ وهل يمكن القول أنهم حولوا تلك الخسائر المتوقعة إلى مكاسب ؟

أعتقد أن ذلك يصعب التسليم به، فقد دفع الإخوان ثمناً غالياً من حرياتهم وأموالهم واستقرار بيوتهم وتنشئة أولادهم في جو آمن مستقر للحفاظ على منهجهم الوسطي وخطابهم المعتدل وقدرتهم على الإصلاح السلمي المتدرج .

لم يستفزهم عنف النظام للوقوع في دائرة الاستفزاز وفخ العنف. ولم تقعدهم الضربات عن مواصلة طريقهم والمشاركة السياسية والمجتمعية ..ولكن كانت هناك آثار جانبية أخرى لا يمكن إغفالها والتقليل من شأنها.

أهم تلك الآثار الجانبية الخطيرة التي أعاقت تقدم الإخوان وتطورهم وأبقت عليهم في نفس الدائرة ونفس الموقع – أو كما يقال : "محلك سر" – هي :

[1] الاتجاه إلى المحافظة في الرأي أو الجمود على المواقف وعدم الاستعداد والجرأة على التجديد والاجتهاد رغم ضرورة ذلك وأهميته والحاجة إليه.

[2] عدم القدرة على الابتكار في أساليب العمل السياسي والمجتمعي لمواجهة حال الحصار المفروض على الجماعة ولمواجهة حال الانسداد السياسي التي أصابت التطور السياسي في مقتل وردته إلى الخلف وللخروج من حال العزلة التي فرضها النظام على المنافذ الرئيسية التي تحرك فيها الإخوان كالنقابات والجمعيات والمساجد والهيئات الخيرية.

[3] الارتباك التنظيمي المتواصل نظراً للغياب المتقطع للقيادات العليا والوسيطة مما خلق حالة من الانقطاع وعدم تراكم الخبرات .

[4] الفشل الجزئي في إنجاز الخطط والبرامج الموضوعة وتحقيق نسب متواضعة جداً في الأداء الدعوى والتربوي والمجتمعي، وحصول الأمن باستمرار على تلك الخطط مما يُضخّم النظرة الأمنية للجماعة على غير الحقيقة ويساعد القيادات الأمنية على الإيعاز للقيادة السياسية بضرورة تشديد القبضة الأمنية ولا أدل على ذلك من أن بداية الحملات البوليسية كانت بسبب الأوراق التي تم ضبطها في قضية "سلسبيل" وهى أوراق – كما كل ما يتم ضبطه من بعدها – لا تعكس الواقع الحقيقي للإخوان بل تعكس تمنيات وآفاق رحبة لم ينفذ الإخوان منها إلا القليل، وهى كلها مفخرة للإخوان لو تم قراءته بنفس سليمة وعقل سديد لأنها تصب في صالح الوطن وإصلاحه وتطوره وتقدمه.

[5] منع الإخوان من النشاط الاقتصادي الواسع خاصة في مجالات معينة ومحاربتهم في أرزاقهم وغلق شركات أفراد الإخوان الخاصة الكبرى والمتوسطة في محاولات دءوبة لتجفيف الموارد المالية للأفراد وبالتالي ينعكس ذلك على الجماعة التي وإن قامت على الأفكار والمبادئ إلا أنها لا تستطيع كأي هيئة تضخمت أن تستغني عن المال الذي هو عصب الحياة خاصة مع توسع النشاط السياسي والبرلماني والمجتمعي.

وذلك ينعكس على قرة أفراد الإخوان الاقتصادية وإقبال الآخرين على الاستثمار معهم ومشاركتهم في المشاريع الواسعة رغم ثقتهم بأمانتهم وكفاءتهم ثم ينعكس على قدرة الجماعة بعد ذلك على توفير الدعم المالي اللازم للأنشطة الواسعة مثل الانتخابات، وهذا كان هو السبب المباشر للهجمة الأمنية الواسعة الأخيرة في قضية المهندس خيرت الشاطر وغيرها حيث صاحبت كل حملة إغلاق لعدد من الشركات المتنوعة في مختلف مجالات النشاط الاقتصادي مما سبب خسائر فادحة لأفراد الإخوان ومحاولة خبيثة لتجويع بيوت عفيفة.

[6] خلق حالة من الخوف لدى الجماهير من الإخوان وفرض لون من العزلة التنظيمية على الإخوان، ولولا الانتشار الجماهيري الواسع خاصة في الريف والأحياء الشعبية لأثمر ذلك الخوف قطيعة بين الشعب والإخوان ولكن الانتخابات المتوالية أثبتت عقم ذلك الأسلوب وقدرة الإخوان على تجاوز آثاره السلبية .

[7] تشويه إعلامي متعمد للإخوان والعمل على زرع صورة نمطية عبر الإلحاح الإعلامي في برامج معينة لتضخيم خطر الإخوان وبث الشك حول نواياهم وبرامجهم الإصلاحية وقدراتهم السياسية، والحرص على منع الإخوان من المشاركة في تلك البرامج وحجبهم تماماً في السنتين الأخيرتين – باستثناء بعض النواب – عن كافة البرامج والفضائيات حتى تلك الحرة والمستقلة والخاصة حتى تسود حالة من الصمت حول أخبار الإخوان أو يتلقى المشاهدون رأياً واحداً مع الحرص على تحويل أي لقاء مع نائب إلى حالة من الصخب والضجيج دون إتاحة الفرصة لحوار جاد وموضوعي ويسثتي من ذلك فقط الإخبار التي تصب في غير صالح الإخوان.

[8] إبعاد القوى السياسية الحزبية عن الإخوان المسلمين في محاولة لعزل الإخوان وعرقلة أي إمكانية لتحالفات سياسية جديدة مثل تلك التي شهدتها الثمانينات في ظل غموض النظام الانتخابي القادم وتغيره باستمرار.

وفى الحقيقة فإن الخاسر الأكبر في ذلك هو تلك القوى الحزبية نفسها أكثر من الإخوان لأن شعبية الإخوان هي التي حملت حزب الوفد ثم حزب العمل إلى التمثيل البرلماني وتلك الشعبية تزايدت ولم تنقص في آخر انتخابات 2000، 2005 وإذا كانت الرخصة القانونية التي تتمتع بها الأحزاب هامة فإن الأهم منها هو الانتشار الشعبي والقدرة على الحشد والتعبئة والتنظيم.

ويظل الإخوان حريصون على التواصل مع تلك القوى وزيارة مقراتها ودعوة قياداتها إلى لقاءات وحفلات ويحجم هؤلاء عن تلبية الدعوات أو رد الزيارات مما يجعلهم في موضع الانتقاد لأن السبب هو إما خوفهم من النظام وخشيتهم على هياكل أحزابهم أو مشاركتهم للنظام وتأييدهم له ضد الإخوان مثل قيادة حزب التجمع اليساري.

[9] حصار الإخوان محلياً ومنع قياداتهم ورموزهم من السفر للخارج للمشاركة في حوارات وندوات ومؤتمرات دولية وعالمية هامة حول القضايا الرئيسية للأمة العربية والإسلامية مثل قضايا الإصلاح السياسي والدستوري مما يحجب رأى الإخوان ومواقفهم عن المشاركين ويمنع تبادل الرأي والمشورة ، أو قضايا العنف والإرهاب وكيفية مواجهته وحرمان الإخوان من تصحيح التشويه المتعمد والخلط المقصود بينهم وبين تيارات التشدد والغلو والعنف، وأيضاً قضايا الاستقلال ومواجهة الاحتلال مثل فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال وغيرها مما يعزل الإخوان في مصر عن قضايا الأمة من الاحتكاك بالآخرين والاستفادة من المشاركة، ويحرم الإخوان من تقديم وتمرين رموز وقيادات تكتسب المزيد من الحنكة والخبرة السياسية الدولية.

[10] منع تواصل الإخوان وقياداتهم ورموزهم مع المجتمع الدولى والدبلوماسيين والسياسيين خاصة أمريكا والدول الغربية التى لها رأى هام وموقف خطير فى أى تطور سياسي في مصر والمنطقة ويظن البعض أن رأيهما هو الحاسم في التقدم نحو الإصلاح الدستوري والسياسي من أجل الحفاظ على مصالحهم.

وهنا يتم حرمان الإخوان – وبقية القوى السياسية المعارضة – من طرح وجهة نظرهم في الإًصلاح مع الحفاظ على الثوابت الوطنية مثل الاستقلال الوطني وحماية الثروات المصرية والقدرة على حفظ الاستقرار والأمن وحل مشكلات المجتمع المصري ونظرتهم إلى قضايا المنطقة العربية والإسلامية.

[11] حرمان الإخوان المصريين من لقاء بقية الإخوان في العالم وتبادل الرأي والمشورة معهم واكتساب الخبرات المتبادلة في ظل ظروف متشابهة، وتعقيدات مشتركة وهذا يمنع من تنسيق المواقف تجاه قضايا الإصلاح والتقدم قدماً نحو المزيد من النشاط والعمل بعد مرحلة أثمرت توجهاً للمشاركة السياسية النشيطة والدفع نحو تمثيل برلماني جيد وتشكيل أحزاب سياسية في أكثر من بلد عربي وإسلامي وبناء قاعدة جماهيرية عريضة مما أفقد الإخوان زخم تلك المرحلة والتقدم نحو مرحلة جديدة قد تصل بهم إلى المشاركة في الحكم بعد تقييم تجارب قليلة في الجزائر واليمن وغيرها.

هذه أهم تداعيات الحملة البوليسية الأمنية والحصار السياسي والتشويه الإعلامي للإخوان المسلمين والتي مارسها النظام المصري طوال السنوات الماضية، والتي نجح خلالها في إعاقة تطور الإخوان وقدرتهم على التجديد والاجتهاد وحرمانهم من اكتساب الخبرات ومنع تراكم النجاح الذي حققوه خلال الربع قرن الماضي.

هل يمكن تجاوز تلك المرحلة؟

ولكن هل أمكن للإخوان أن يقللوا من هذه الخسائر المحققة ؟وهل يمكن لهم مستقبلاً تجاوز تلك المرحلة وخاصة أنها مرشحة للاستمرار ؟

إذا كانت الجهات التي عمل النظام وقبضته الأمنية الغليظة من خلالها على تعويق الإخوان وحصارهم هي :

- البناء التنظيمي .

- الساحة الإعلامية .

- الحضور السياسي وبناء التحالفات السياسية.

- التواصل الخارجي.

- الحرب على الأرزاق وتجفيف الموارد المالية، أو الحصار الاقتصادي.

فإن الإخوان يمكنهم إتباع سياسة مرنة تقلل حجم تلك الخسائر التي وقعت حتى الآن والتي يمكن أن تتوقع في المستقبل القريب.

تقوم تلك السياسة على عدة محاور :

أولاً: البعد عن المركزية التنظيمية الشديدة مما يقلل حاجة الإخوان إلى الأبنية التنظيمية المعقدة والمتشابكة.

ثانياً: اعتماد أسلوب إداري جديد يقلل حجم اللقاءات المركزية والوسيطة.

ثالثاً: إطلاق جهود الأفراد في العمل والنشاط والإبداع و التجديد والاجتهاد وعدم تقييدهم بقيود منهجية صارمة أو قيود إدارية مكبلة أو قيود تنظيمية معوقة.

رابعاً: تشجيع الكفاءات الإعلامية الفردية ودعمها، ودعم شباب المدونيين وعدم الالتفات إلى الأصوات التي تطالب بتقييد حريتهم، والدفع بشباب الإخوان إلى خوض تجارب إعلامية مهنية بعيداً عن المنابر التقليدية لاكتساب الخبرة المهنية اللازمة، وتحمل الأخطاء المتوقعة نتيجة خوض هؤلاء الأفراد في الساحة الإعلامية كأفراد بحيث لا تتحمل الجماعة أخطاءهم .

خامساً: الدفع بالكفاءات الدعوية بعيداً عن الالتزام التنظيمي، بل التقليل من وجودهم التنظيمي ورعايتهم بصورة منفردة بعيداً عن الهياكل التي قد تتسبب في إعاقتهم بسبب الملاحقات الأمنية، وإمدادهم بدعم معنوي ومادي يكفل لهم الاستقلال والقدرة على تنمية مهاراتهم بصورة فردية أو فى حلقات ضيقة بعيداً عن المتابعة الأمنيةً ، وتشجيعهم على البحث والدرس والاجتهاد وتجديد الخطاب الدعوى واعتلاء المنابر المسجدية والإعلامية بخطاب وسطى معتدل يوازن كفة الخطاب المتشدد الذي يسود الساحة الآن على أن يمتنعوا تماماً عن الخوض فيما يخص الإخوان من قضايا أو إشكالات مع الدولة.

سادساً: إطلاق حرية المواهب السياسية والبرلمانية للاحتكاك المباشر بالتيارات الفكرية والسياسية بعيداً عن تمثيل الجماعة أو التحدث باسمها ، وتشجيع الكفاءات البحثية في العلوم الاجتماعية والسياسية وإعطائهم أجازة مفتوحة من العمل التنظيمي حتى يصقلوا موهبتهم ويستكملوا بحوثهم مع متابعة عن بعد وبصورة منفردة ويمكن تخصيص منح مالية دراسية لهم مع كفالة استقلالهم العلمي.

سابعاً: اعتماد سياسة تركز على أهمية وأولوية الإصلاح السياسي والدستوري وإطلاق الحريات العامة وحماية حقوق الإنسان وإرساء دولة القانون وتحقيق العدالة الاجتماعية، قبل التمثيل البرلماني والحرص عليه.

ثامناً: الالتحام بالقوى الشعبية الجديدة واللحاق بالمطالب الاجتماعية المتصاعدة، والمشاركة النشيطة كأفراد وليس كجماعة في كافة التحركات الشعبية التي تطالب بالحقوق الاجتماعية، وتشجيع الأفراد للحركة بحرية في تلك الفضاءات المفتوحة.

قد يلاحظ البعض أن كل تلك المحاور تعتمد ما يمكن تسميته "الجهد الفردي" بديلاً عن "العمل التنظيمي" و "الخطط المرسومة" بحيث تعتمد على القدرة على التجديد والابتكار والإبداع من الأفراد وإطلاق طاقاتهم المكنونة.

وذلك لسبب رئيسي هو أن تلك المرحلة غير مسبوقة في تاريخ الإخوان حيث يعيش الإخوان منذ 35 عاماً في وضع لا هو بالقانوني ولا هو بالمحظور والممنوع، وهناك إخوان اكتسبوا خلال تلك الفترة الطويلة خبرة ومعرفة بالمنهج الإخوانى وأسلوب العمل وتمرسوا من خلال التجارب على العمل الدعوى والتربوي والمجتمعي ويحتاجون فقط إلى إطلاق طاقاتهم وتشجيعهم والدفع بهم إلى ساحة العمل بقوة.

تاسعاً: التركيز على المشاريع الاقتصادية المتوسطة والصغيرة وعدم الاندفاع في مشاريع اقتصادية واسعة تلفت الانتباه والحرص على مشاركة آخرين خارج الإخوان لتأمين تلك المشروعات من ناحية ولإضفاء قدر من المصداقية على أنها مشاريع خاصة والتوسع في تنويع الاستثمارات الخاصة في أكثر من مجال وتشجيع الاستثمار المشترك لتوفير قدر من الحماية القانونية والتقليل من اندماج مشاريع اقتصادية إخوانية وعدم خلط الأوراق في النشاط الاقتصادي وضبط كافة الأمور الإدارية والمالية والمستندية المتعلقة بالأنشطة الاقتصادية بصرامة شديدة لقطع الطريق على أي ثغرة قانونية وللحصول على التعويض المناسب بعد انكشاف أي أزمة وانتهاء أي قضية.

عاشراً: المشاركة الفردية في مشاريع الإعلام الخاصة داخل وخارج مصر بهدف تحقيق الحد الأدنى من الإعلام الهادف والموضوعي لإيجاد أرضية مناسبة لتنمية وعى الأمة والجماهير بقضاياها الحقيقية بعيداً عن الإسفاف والتردي الموجود حالياً، وتشجيع الإعلام الإسلامي الهادف الذي يخاطب الجمهور خطاباً معتدلاً وسطياً.

وتشجيع المستثمرين من الأفراد للاستثمار في مجال الإنتاج الإعلامي بكافة جوانبه للشباب والأطفال والدراما والحوارات وغيرها.

والدفع بكفاءات صحفية وشبابية للتدريب على كافة مراحل العمل الإعلامي وتشجيعهم على العمل في كل المسارات الإعلامية مع الحفاظ على هويتهم وتمتين روابطهم الخاصة.

مسؤولية الجماعة

فإن الفهم الصحيح لمراحل العمل التي ألزم بها الإمام المؤسس الشهيد حسن البنا كل أخ مسلم يعلم أن المراحل الثلاث الأولى وهى إصلاح النفس وتكوين البيت السلم وإرشاد المجتمع هي مسئولية فردية في المقام الأول ثم هي مسؤولية الجماعة .

بعد ذلك في الإرشاد والتوجيه وتهيئة المناخ المناسب وتبادل الخبرات اللازمة أما المسئولية الرئيسية فهي مسئولية الأفراد أنفسهم ويجب إفهامهم ذلك وتحميلهم تلك المسئولية.

ورغم أن الإخوان في مناهجهم وبرامجهم وخططهم وتوجهاتهم يقولون ذلك ويكررونه إلا أن الممارسات العملية تبتعد عن ذلك قليلاً أو كثيراً أو الواقع الملموس يوضح أن الأفراد باتوا يعتمدون على الجماعة في كل جهود هم ويحملونها فوق طاقتها ، فما السبب ؟.

أعتقد أن مرد ذلك كله يعود إلى 3 أسباب:

أولاً: التعقيد الإداري الحالي الذي نوّع اللجان بكثرة وأثقل الأفراد بلقاءات إدارية على مستويات عديدة، واستهلك أفضل الطاقات الإخوانية في أعمال مكتبية وورقية وألزم الأفراد بخطط تفصيلية قد لا تناسب كل البيئات والمواقع وخنق المواهب بقيود الاستئذان أو التكليفات.

ثانياً: الالتزام بمناهج تثقيفية محددة رغبة في التسهيل على الأفراد فإذا بها تدفعهم إلى التبسيط والكسل المعرفي والقعود عن التحصيل وضعف الهمة في الدرس وذلك إنما هو ثمرة المناخ العام الذي أفسد الشباب وأفسد العمليات التعليمية والتربوية التثقيفية العامة وما أفراد الإخوان إلا نتاج المجتمع الحالي، فنادراً الآن أن تجد شاباً مثقفاً قارئاً ذو عقل متفتح وقدرة على التمييز بين الآراء.

ثالثاً: القيود التنظيمية المشددة، واتساع عمل الإخوان والتشابك الشديد بين ضرورة الإحساس بالمسئولية الفردية وبين ضرورة الالتزام بخطط الجماعة التفصيلية جداً، والتضارب بين القيام بالواجبات الفردية على كل المستويات الدعوية والتربوية والمجتمعية وبين الإحساس بالتقصير فى تنفيذ ما هو مطلوب إخوانياً لمزيد من الانتشار والتوسع وكسب الأنصار والمؤيدين وتأطير المستجيبين للدعوة وهم كثير.

إذن عموم أفراد الإخوان يحتاجون من كل مستوياتهم القيادة إلى عدة أمور:

[1] إتاحة المزيد من الوقت لهم للاهتمام بالجهد الفردي.

[2] إطلاق حرية العمل والاجتهاد مع المتابعة والتقويم.

[3] الدفع بهم إلى الاجتهاد والتجديد الفكري والثقافي وأيضاً في مسائل العمل الدعوى والمجتمعي.

ويبقى للقيادات العليا والوسيطة الاهتمام برسم الاستراتيجيات العامة ووضع السياسات المطلوبة ومتابعة الالتزام بها والإرشاد عند الخروج عنها بعد تقويم النشاط والجهود الفردية.

تلك مرحلة حرجة في تاريخ الإخوان غير مسبوقة كما أشرت تحتاج إلى اجتهاد جديد من أجل الانطلاق بعد انفراج الأزمة إلى عهد جديد يبشر بمزيد من النجاحات إن شاء الله.



السبت، ٢٤ أكتوبر، ٢٠٠٩

بيان شباب الاخوان بشأن الاحداث الجارية


بيان بشأن الاحداث الجارية

بسم الله الرحمن الرحيم

تابعنا تلك الأحداث الأخيرة التي حدثت بمكتب الارشاد ، لذلك رأينا أن يكون لنا موقف ورأي نعلنه علي الاخوان وعلي الرأي العام لأننا أبناء الجماعة التي نعتز بها كمشروع حضاري نتشرف بالانتماء اليه ونحن أكثر الناس حرصا عليها وعلى تقدمها وقوتها لتكون الجسر الذي يعبر عليه وطننا من جو الاستبداد والظلم إلى رحابة الحرية والتقدم ونلخص رأينا في الآتي :

1 – نعلن تقديرنا واعتزازنا الكامل بفضيلة المرشد والوالد الاستاذ محمد مهدي عاكف وقيادته للجماعة ونقدر له جهده وونثمن كل النقلات النوعية التي انتقلت لها الجماعة في فترة توليه المسئولية ونطالبه بالتواجد الفاعل علي رأس الجماعة في المدة التي بقيت

2 – نحترم جميعا أليات الشوري ونتائجها مع التأكيد علي سياسة الوضوح والشفافية بحيث يتم اعلان اللوائح المنظمة للنظام الداخلي والمساواة في كل الحالات وعدم ترك الباب للتأويلات والاجتهادات الشخصية التي توغر الصدور وتؤثر سلبا علي الصف .

3 – ان وحدة الصف وتماسك البناء هو عندنا من الثوابت التي لا نرضي المساس بها ولذلك فاننا نخشي ان تؤدي بنا مثل هذه الاحداث لنماذج قاسية مرت بها الدعوة في اقطار أخري وعليه فان واجب الجميع الان هو رأب الصدع والحرص علي سلامة الصدر وروح الاخوة المنطقية والموضوعية وليس العاطفية فقط .

4 – ليس مقبولا ابدا ان يزايد البعض علي الاستاذ المرشد في مسألة احترامه للشوري والديموقراطية ، فالرجل هو من ضرب أروع مثال في احترام ذلك عندما اصر علي تغيير اللائحة القديمة وتنظيم الانتخابات الداخلية وترسيخ هذا المبدأ ثم طلب ان لا يولي مرة أخري المسئولية ليترك الفرصة لتجديد الدماء .

5 – ندعو القيادة اليوم إلى مراجعة اللوائح الداخلية وتعديلها بشكل عملي يتناسب مع طبيعة ومتطلبات المرحلة التي نمر بها .

6 –نؤكد على ضرورة أن يكون الأداء الإعلامي للجماعة أفضل مما هو موجود الأن لكي لا يتكرر ضعف الاداء وهذا التناقض الذي ظهر في المعالجات الاعلامية الاخوانية للقضية بشكل اساء للجماعة وأكد ان الملف الاعلامي بالجماعة محتاج للمراجعة الشاملة واعادة النظر مع ضبط التصريحات الاعلامية للقيادات والرموز وتحديد متحدث رسمي باسم الجماعة حتي نتجنب التضارب الذي رأيناه في هذه الاحداث.

7 – نشكر كل وسائل الاعلام التي تعاملت بمهنية وموضوعية تجاه الاحداث مع رفضنا لمحاولات بعض الوسائل الاعلامية المتربصة التي ادمنت الاساءة للاخوان و نحمل أنفسنا مسئولية ما حدث واتاح للبعض التشويه والتلفيق

8 – نؤكد ان غلق أي ملف لمشكلة يجب ان يكون بشكل عملي وموضوعي يضمن عدم تكرار المشكلة وعدم تفاقم تراكماتها وكلنا ثقة ان القيادة حريصة علي ذلك مثل الجميع

9 - نؤكد أن حركة الاخوان حركة مصرية وطنية مجتمعية علنية منذ انشأها الامام البنا ، فشأنها هو شأن عام وحالها يخص كل المصريين وكل المهتمين بالمشروع الاسلامي الوسطي الحضاري ولذلك فمن حق المجتمع ان يهتم بداخلنا ويتفاعل معنا كأكبر حركة شعبية مصرية تسعي للاصلاح والتغيير

10 – نتمني ان تكون الفترة القادمة فترة انطلاق في اطار الحركة الوطنية لتلبية أمال ملايين المصريين الذين يعولون علي حركة الاخوان ودورها في الاصلاح والتغيير

وانا لننتهز هذه الفرصة لنعلن عن خطوة هامة نرجوا بها الخير للوطن و للحركة وللمشروع الوسطي ككل وتأتي في اطار البناء وتقديم الحلول الايجابية ، ونعلن من هنا عن تدشين المؤتمر الألكتروني الأول لشباب الاخوان المسلمين والذي سيكون في الفترة القريبة المقبلة وسيناقش اهم الملفات والقضايا التي تهم الدعوة ليقدم رؤي وتصورات تهدف للاصلاح والتطوير ، وفق الله الجميع وألف بين قلوبنا ووحد صفنا وجمع كلمتنا ورزقنا سلامة الصدر وحسن المقصد ، بسم الله الرحمن الرحيم ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا )

والحمد لله رب العالمين

شباب من الاخوان المسلمين ( شباب بيحب مصر )

الجمعة، ٢٣ أكتوبر، ٢٠٠٩

أزمة المرشد ..دروس مستفادة


الموجة 46

كتبها م / هيثم ابو خليل





كشف الحوار الواضح والصريح للدكتور محمد حبيب النائب الأول لمرشد جماعة الإخوان المسلمين لقناة "الجزيرة" وجريدة "الشروق" ليس عن وجود أزمة ومشكلة حقيقية داخل مكتب إرشاد الجماعة وحسب، إنما كشف عن أزمة الشفافية داخل مكتب الإرشاد، وجاء بعده الحوار مع الدكتور سعد الكتاتني في موقع اسلام اون لاين لينفي بعض ما قاله الدكتور حبيب وليؤكد أن هناك اتجاهين متخالفين ..!

بداية ليس من الضروري أن أقسم أنني لست موجه من الأمن أو مغرض أو منفلت اللسان أو أفت في عضد الجماعة ولكني مازلت أعتقد أن جماعة الإخوان هي الفصيل الحي الوحيد في الشارع المصري وأن ما يجري بها يهم كل مصري ... فالجماعة التي ترتضي العمل العام والنزول للشارع وخوض الانتخابات علي مختلف الأصعدة لا يضيرها أن نعلم ونفهم ما يحدث فيها داخل الغرف المغلقة... فمن حق الشعب الذي انحاز للإخوان المسلمين الذين رفعوا شعار "الإسلام هو الحل" أن يفهم ويعلم أن القائمين علي الجماعة يطبقون ما يقولون أم لا.

أزمة شفافية

في كثير من الأحيان تكون مصارحة المريض بمرضه هامة للعلاج وفي الغالب يكون الدواء مراً للغاية.. ولذلك لا أطلق الكلام علي عواهنه وأقول أن هناك أزمة شفافية للأسباب التالية:

(1)النفي الهستيري القاطع لواقعة استقالة المرشد وعدم ذكر حدوث أي مشكلة علي الإطلاق داخل مكتب الإرشاد بل وصل الأمر لتصريحات شخصية في هذا الشأن: (وإن ما تناقلته وسائل الإعلام عن شائعة استقالة فضيلته وخلافه مع أعضاء مكتب إرشاد الجماعة؛ غير صحيح) الدكتور محمود عزت 19/10 موقع "إخوان أون لاين" (خطة لتشويه الجماعة، وتلك الزوبعة لا تثير القيادة، ولا تحمل أي شكل من أشكال القلق على الصفِّ الإخواني، مشددًا على أن مكتب الإرشاد والمرشد العام يد واحدة)، الأستاذ جمعة أمين 19/10 موقع إخوان أون لاين.

(2)وتكتمل المأساة في عدم مصداقية بيان الجماعة في توضيح الموقف وتجد في الفقرة الأولي (يؤكد الإخوان المسلمون أن فضيلة الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام للجماعة لم يقدم استقالته من منصبه كما زعمت بعض وسائل الإعلام، وأنه حاضر بين إخوانه أعضاء مكتب الإرشاد وقيادات الجماعة، ويمارس عمله بشكل معتاد) !

(3)لم يكتف الموقع الرسمي بالبيان والتصريحات بل تم نشر صور عديدة تحت عنوان (بالصور نرد على شائعة استقالة المرشد العام) وأتعجب للغاية أليس الأفضل بدل التوسع في التضليل وأن (كله تمام علي طريقة الحزب الوطني) لماذا لا يتم توضيح حدوث خلاف حول تصعيد الدكتور العريان وحدوث كذا وكذا ...؟

(4)بالنسبة لموضوع اللائحة التي تمسك بها أعضاء مكتب الإرشاد الأفاضل أتساءل أين اللائحة وأعضاء مكتب الإرشاد الآن عددهم أكثر مما تنص عليه اللائحة ...؟

(5)وأين كانت اللائحة عندما يتم تعين بعض الأفراد النابهين بالأمر المباشر مثلما تم تعيين المهندس خيرت الشاطر عن طريق الأستاذ مصطفي مشهور ...!

لابد من المصارحة لوقف ما يحدث ...

ما يحدث من بعض القيادات بالجماعة لابد له من وقفة تجاه لأنه يسيء لهذا الكيان الضخم وفيه من المخلصين والشرفاء والمتجردين الكثير

الدروس المستفادة من هذه الأزمة:

(1) إعادة النظر في طريقة الانتخاب داخل الجماعة وتطويرها فطريقة الاختيار أصبحت غير مناسبة لجماعة في حجم جماعة الإخوان المسلمين ولابد من تفعيل نظام انتخابي جيد بمرشحين وبرامج ومبادرات بحيث يتم الانتخاب عن طريق الإمكانيات والفكر مع الصفات الأخلاقية وليس عن طريق السماع والتاريخ ...!

(2) إعادة بناء جهاز الجماعة الإعلامي والاستعانة بمجموعة يكون ولاءها للتميز المهني وللفكرة وليس ولاءها لأمر آخر؟

(3) قصر مدة المرشد وعضو مكتب الإرشاد علي فترتين فقط لدفع الحيوية داخل الجماعة ومنع عملية الاستيعاب داخل تكتلات..

(4) توجيه هذا المجهود والإجماع داخل مكتب الإرشاد للانتهاء من برنامج الحزب لأن فرصة 88 عضو في البرلمان لن تتكرر..

(5) تعيين متحدث إعلامي للجماعة لأن تضارب التصريحات وعدم وجود تنسيق إعلامي أساء بصورة بالغة للجماعة

(6) عمل آلية واقعية وحقيقية لتوصيل آراء ومقترحات القاعدة والصف الإخواني لمن يجلسون في قيادة الإخوان الجماعة ...

(7) أعادت هذه الأزمة التأكيد علي ثقل جماعة الإخوان ليس في الشارع المصري وحسب بل وعلي مستوي العالم في الاهتمام الإعلامي الضخم بهذا الحدث مما يعطي مسئولية أكبر للجماعة في أن تكون عند حسن ظن الكثير في فاعليتها وتأثيرها ..

(8) هناك دور إيجابي لابد من الإشادة به علي الرغم من كل الملابسات حول إستبعاد الدكتور العريان من دخول مكتب الإرشاد وهو تغليب المؤسسية داخل الجماعة علي رأي الفرد

(9) حسم موضوع اللائحة وإعادة صياغة البنود التي قد تحتمل أي تأويل والأهم من ذلك نشر هذه اللائحة للرأي العام حتي يكون شاهد علي وضوح وشفافية الإخوان

(10) مازال هناك من يري أن مصلحة التنظيم أهم من مصلحة الجماعة ومصلحة الجماعة أهم من مصلحة الأمة ولم يصل إلي مسمعه حتي الآن كلمات مثل الإنفتاح علي الأخر..بل وإستيعاب من يخالفني في الرأي ...!

تبقي كلمة أخيرة ... سنظل نتكلم عن عن التغيير والإصلاح داخل الإخوان ليس من باب الفت في عضد الإخوان ولكن من أجل: التقدم وفك الجمود …ومن أجل الانفتاح الحقيقي علي الأخر. والخروج من مفهوم التنظيم الضيق إلي رحابة المجتمع بكل أطيافه وأشكاله …والدفع بالشباب وتغيير الدماء .. فلن يحدث التغيير والإصلاح في بلادنا إلا إذا تم التغيير داخل هذا الفصيل الهام والقوي في الشارع المصري … ولن يكون هناك تطوير إلا بإستيعاب كل الأطياف المختلفة لذا يجب أن يكون هناك رأي ورأي أخر .. ومن حق الشعب علي هذه الجماعة أن يري ذلك واقعاً عملياً أمامه .. نعم …


الخميس، ١٠ سبتمبر، ٢٠٠٩

بين التمدد الحضارى و نظرية المؤامرة

الموجة 45
بين التمدد الحضارى و نظرية المؤامرة

كتبها / محمد مصطفي




هناك الكثير من القناعات و الأفكارالتى تستحق أن نعيد النظر بها
واحدة من هذه القناعات رؤيتنا لنظرية المؤامرة ،، و مفهومها عندنا ونتناول هنا :


1- نظرية المؤامرة كنموذج تفسيري .2- دوافع تبنى النظرية .3- القدرة التفسيرية لنظرية المؤامرة .4- إشكاليات الإيمان بمطلقية النظرية .5- فكرة التمدد الحضاري واختلافها عن نظرية المؤامرة


1- نظرية المؤامرة كنموذج تفسيري : تطرح نظرية المؤامرة كثيراً فى مجتمعاتنا العربية و الإسلامية - خاصة من أبناء التيارات القومية و الإسلامية - كنموذج تفسيري يفسر حالة الشرود الحضارى التى أصيبت بها أمتنا العريبة و الإسلامية فى القرون الأخيرة .النظرية ببساطة ؛ تحاول تفسير الحالة العدائية المقصودة ضد الأمة من قبل العديد من الأطراف ، و التى أخذت أشكالاً مختلفة بدءاً بالعداء المقنع الذى قد لا يتضح إلا بمرور زمن طويل من خلال رصد الأحداث التاريخية و تحليلها ؛ وصولاً إلى العداء المباشر و الذى قد يأخذ شكلاً عسكرياً ، مروراً بالأشكال العدائية المختلفة و التى قد تتمثل فى التحالفات و التلاعب بموازين القوى ، أو الحروب الاقتصادية ، أو عمليات الغزو الفكري و الثقافي، و غيرها من الأشكال المختلفة التى تساهم فى تكريس هذه الحالة .و مما زاد من قدرة هذه النظرية على التفسير ؛ الدرجة التى وصلت إليها دولنا العربية و الإسلامية من التراجع الفكري و الحضاري ، و أيضاً المصادفات التاريخية التى وضعتنا – تقريبا – فى حالة عداء مع كل الأطراف المغايرة .الأمر الذى أظهر هذه الأطراف كلها و كأنها متفقة على مناصبة أمتنا العداء ، بغض النظر عن أى مشروع فكرى أو ثقافى تطرحه هذه الأطراف .فانطلاقاً من نظرية المؤامرة ؛ نستطيع أن نفسر كل المشاريع الفكرية الإنسانية التى تبنتها الأطراف المغايرة ، بأنها مشاريع إنما وضعت لتبرير الظلم الواقع علينا من قبل هذه الأطراف .و قد بالغ البعض فى اعتبار هذه النظرية النموذج الأمثل لتفسير كل ما أصابنا من شر ، بغض النظر عن أى عوامل داخلية أو حضارية استلزمت ما حدث لنا ، فمن وجهة نظرهم أن هذه العوامل الداخلية هى أيضاً كانت بفعل الأطراف الخارجية الشريرة المتآمرة على أمتنا النبيلة البريئة الطاهرة
2- دوافع تبنى النظرية :كما أشرنا ؛ فإن هذه النظرية تعد من أكثر النظريات رواجاً لتفسير ما أصاب دولنا العربية و الإسلامية - على وجه الخصوص من قبل أبناء الاتجاهات الفكرية القومية و الإسلامية - و ذلك له العديد من الأسباب من أهمها :
أ- حالة الركود التى أصابت أمتنا ، و التى - بلا شك - لها العديد من الأسباب الخارجية ، و الدلائل المبينة على ذلك
ب- ظهور العديد من المرجعيات الفكرية و الفلسفية المغايرة فى القرون الأخيرة ، خاصة فيما يعرف بمرحلة التنوير بأوروبا و العالم الغربي ( الشيوعية الماركسية و اللينينية ، العلمانية ، الليبرالية ، الفاشية ، و غيرها ) .
ج- ارتباط المرجعيات الإسلامية بمفهوم القداسة ، التى نتجت عن استقاء أصول و ثوابت هذه المرجعية من الدين الذى يحمل قدسية خاصة عند معتنقيه ، مما أصبغ على هذه المرجعيات فكرة الصواب المطلق ؛ و بالتبعية فكرة الخطأ المطلق على ما يغايرها ، و ذلك و إن لم يكن بشكل فكرى خالص - نتيجة الاعتقاد فى أن الفهم البشرى للدين و استقاء الأصول منه يختلف عن الدين المقدس فى حد ذاته - فإنه بلا شك تم بشكل عاطفى و نفسى نتيجة الخلاف الواضح و الصريح بين ثوابت و قيم الدين و بين العديد من الأصول و المنطلقات لهذه المرجعيات المغايرة ؛ خاصة فى فلسفاتها حول الوجود البشرى و أهدافه ، مما أحالها - من هذه النظرة - إلى مشاريع فكرية شريرة و هادمة
د- ارتباط المرجعيات القومية بالمكان ، فالمكان هو جزء من المرجعية و يحدد كثيراً من منطلقاتها ، فبزوغ مرجعيات أخرى من أماكن مختلفة ، حينما تواكبه حالات الضعف و الاضمحلال ، يؤدى إلى اتهام هذه المرجعيات بالعدائية و من ثم فإن ذلك يكرس لنظرية المؤامرة و يؤكد على صحتها .
ه- الظروف التاريخية ؛ التى مرت بها أمتنا ، و التى يمكن تفسير الكثير منها من خلال نظرية المؤامرة .كل هذه الأسباب و غيرها ، أدت إلى رواج نظرية المؤامرة و تدعيمها ، بل و اعتبارها - فى بعض الأحيان - ثابت كونى لا يصح النقاش حوله
3- القدرة التفسيرية لنظرية المؤامرةعلى الرغم من قدرة نظرية المؤامرة التفسيرية للعديد من الظواهر التى مرت بها أمتنا ، إلا أنها وقفت عاجزة أمام الكثير من الأمور ؛ التى لا يمكن تفسيرها انطلاقاً من النظرية ، من أهم هذه الأمور :
1- الصراعات العنيفة التى دارت بين المرجعيات المختلفة و المغايرة تماما ؛ و هو ما ينفى أى شبهة تآمر أو تخطيط مسبق ؛ ذلك أن بعض هذه الصراعات وصلت إلى درجة التعدى العسكرى ، و هو ما يؤكد أن منطلقات هذه المرجعيات المغايرة لا يمكن اختزالها فى منطلقات تآمرية و حسب ، و هذه الصراعات قد تصور لنا أن المعركة هى معركة وجود بين مختلف الأطراف .
2- الخلافات الفكرية العنيفة بين المرجعيات و الايديولوجيات المغايرة ؛ بل و حتى بين أتباع الايديولوجيا الواحدة ، و التى عند تأملها نجد أنه قد بذل فيها مجهود فكرى و تنظيرى ضخم جداً ، و هو ما يصعب ترجمته من خلال نظرية المؤامرة .
3- غياب الدافع الحقيقى للتآمر عند الكثير من منظرى و أتباع المرجعيات المغايرة ، فلو افترضنا أن هذا التآمر هو ضد الفكرة الإسلامية ؛ فبماذا نفسر تآمر الكثير من اللادينيين أصحاب المذاهب الفكرية المختلفة .
4- البعد التاريخى ؛ و الذى يؤكد أن كثيرا من المرجعيات و الايديولوجيات المختلفة ، هى أصلاً مؤصلة من قبل ظهور الإسلام و تبلور الثقافة العربى ، فنظريات فلاسفة اليونان و الصين و مصر القدماء ؛ مليئة بالأفكار التى تتشابه إلى حد بعيد مع المرجعيات الغربية المغايرة ، فعلام كانت تتآمر هذه النظريات القديمة إن لم تجد أصلاً ما تتآمر عليه !!!!
5- الاقتناع الكامل بالكثير من المرجعيات الغربية من قبل العديد من المفكرين العرب و المسلمين ؛ مع احتفاظهم بالانتماء الوطنى و القومى ، و العدائية الكاملة لأعداء الأمة ، و هنا مثلاً لو ضربنا مثالاً على المرجعيات اليسارية ؛ فلاشك أن اليسار المصرى أو المغربى – برموزه البارزين - لم يتحالف يوماً مع اليسار الإسرائيلى .هذه الأمور و غيرها ، لم تستطع – فى رأيى – نظرية المؤامرة ، إيجاد تفسيرات مقنعة لها
4- إشكاليات الإيمان بمطلقية النظرية : أقصد بالمطلقية هنا ؛ الاعتقاد فى صحة النظرية المطلقة ، و اعتبار النظرية ثابت و منطلق نستطيع التحرك منه .هنا ستصادفنا عدة إشكاليات من أهمها ؛ أن نظرية المؤامرة هى نظرية تفسيرية ، و التفسير يشغل موقعاً خطيراً و حساساً فى منظومة الفكر العام ، ذلك أن التفسير هو الذى يحدد المنطلقات و الغايات و الأهداف ، من هنا فإنه إن حدث خلل واضح فى التفسير ، فإن ذلك يوقعنا فى شرك الشرود الفكرى ، و من ثم فإنه يكرس لحالة الشرود الحضارى .من السلبيات التى ستواجهنا أيضاً ، رؤية الآخر بنظرة معينة تقضى بأنه عدوٌ متآمر ، و من ثم رؤية كل ما أتى به على أنه منهج تآمرى فاسد ، و لا يحمل أى وجاهة و لا مبررات فكرية أو منطقية ، و كل ما يحويه من خير إنما هو من باب التمويه و دس السم فى العسل ، و ذلك المبدأ يخالف الطبيعة الإنسانية و البشرية ، و التى تقضى بأنه من المستحيل أن يجتمع كمٌ هائل من البشر على شر محض ، كما أنه يضعنا فى خانة العداء الشديد مع كل الأطراف المغيرة ، و هو ما ينقلنا إلى نقطة فى منتهى الخطورة ، و هى انتشار روح اليأس و الإحباط ، ذلك أن العالم كله يقف ضدنا .توجد أيضاً إشكالية كبيرة ، و هى إلى حد ما تتعلق أيضاً بالاشكالية التفسيرية ، و هو أن كل الأسباب الداخلية و الحضارية التى أدت إلى تراجعنا و شرودنا ، سيتم إهمالها و يعول بشكل كبير على الأسباب الخارجية التى هى السبب الأول فى كل ما حدث لنا ، و بالتالى فإن المهمة الكبرى المنوطة بنا هى البحث عن نقاط ضعف أعدائنا و إظهارها ، فتتكاثف الجهود لذلك ، مهملة تماماً ، البحث عن نقاط القوة فى الذات و تدعيمها ، أى أننا سننشغل بهدم الآخر عن بناء أنفسنا .كل ما ذكرته من سلبيات و إشكاليات ؛ فغنه يتعلق بالاعتقاد فى مطلقية النظرية ، لأن إهمال النظرية تماماً ، و الرؤية البريئة للآخر ، لها أيضاً العديد من السلبيات التى ربما تفوق ما قد سبق ، و لكن - فى رأيى – أن الأمر يصبح مفهوماً أكثر ، إذا فهم من خلال نموذج التمدد الحضارى و الفكرى
5- فكرة التمدد الحضاري واختلافها عن نظرية المؤامرة : فكرة التمدد الحضارى و الفكرى ؛ يتناولها البعض تحت عنوان صراع الحضارات ، و هو ما أرفضه ظناً منى أن الأمر تحت هذا العنوان يفقد الكثير من قدرته التفسيرية للكثير من الأحداث التاريخية التى مر بها الجنس البشرى .الفكرة ؛ يمكن التعبير عنها بأن كل فكرة إنسانية – بسيطة كانت أو معقدة – بمجرد توليدها ، فإنها تدخل فى معركة لإثبات الوجود و الانتشار و السيادة على بقية الأفكار الأخرى المطروحة ، و هكذا الأمر يطبق على الايديولوجيات و المرجعيات المختلفة ، فكل منها يسعى للتمثل على أرض الواقع فى نموذج حضارى سائد و مثالى .و هنا نجد أن الفرق واضح و كبير بين هذه الفكرة و بين نظرية المؤامرة ، فنظرية المؤامرة تفترض السعى لهدم الآخر ، أما فكرة التمدد الحضارى فتفترض السعى من أجل إثبات الوجود .و انطلاقاً من هذه النقطة ؛ فإننا لا ننفى الخيرية و الوجاهة عن المرجعيات و الأفكار الأخرى ، و لا نفترض العدائية المباشرة بين الأطراف الأخرى ، و لكننا فى ذات الوقت لا نفترض حسن النية المبالغ فيها ، لأننا نعلم أن النماذج الحضارية المختلفة تسعى فى النهاية لإثبات وجودها ، بل و سيادتها على النماذج الحضارية الأخرى
كتبها / محمد مصطفي