الثلاثاء، ١٦ مارس، ٢٠١٠

مفاهيم اسلامية تحتاج للمراجعة




بقلم: الدكتور محمد أمين الميداني
رئيس المركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ستراسبورغ، فرنسا.


حفلت كتابات الفقهاء والعلماء في التراث العربي-الإسلامي، وعلى مدار عدة قرون، ببعض المفاهيم التي تبدو، وللوهلة الأولى، متناقضة ومخالفة لما نتداوله ونستخدمه وما هو منتشر في هذه الأيام في مختلف الأوساط العلمية والفكرية والثقافية. نجد من بين هذه المفاهيم: "الشرعة لمن غلب"، و "الُملك لمن غلب"، و "ولاية الجور"، و "تحمل أدنى المفسدتين"، وغيرها كثير. وإن كان من المنصف أن لا نأخذ هذه المفاهيم بحرفيتها، أو نتوقف عن ألفاظها، بل من الواجب علينا أن نضعها في سياقها التاريخي، ونتعرف على الظروف التي أدت إلى ظهورها، ونقف عند الأحداث التي أملتها، ودفعت بالفقهاء والعلماء للمناداة بها، إلا أن علينا أن نخطو في هذه الأيام خطوة، إن لم نقل خطوات، نحو الاستغناء عن عدد من هذه المفاهيم أو على الأقل مراجعتها، والتفكير بتركها لزمانها، وتجنب الاعتماد عليها أو استخدامها لتبرير ما نراه من مواقف، وما نعيشه من أوضاع، وما نسمعه من تجاوزات، تظهر كلها أشكالا مختلفة من القمع والطغيان والاستبداد والظلم وانتهاك للحقوق والحريات.

لقد سعى الفقهاء والكتّاب والعلماء لإيجاد مسوغات ومبررات لما عرفته القرون التي عاشوا فيها أو قرؤوا عنها، والأوضاع السياسية والاجتماعية التي عاصروها أو تابعوا تاريخها، فتولدت لديهم مجموعة من الاجتهادات والنظريات تنطبق على أحوال البيئة التي نشؤوا فيها وترعرعوا بين رحابها، معتمدين على سلسلة من المفاهيم التي وصلت إلينا لاحقا، فهل من اللازم علينا أن نأخذ بها ونعتقد بمضمونها ونقوم بتطبيقها أيضا؟!
ونذكّر هنا ببعض الأعلام الإسلامية والمواقف التاريخية التي كان لها اجتهاداتها الخاصة وتفسيرها الرافض لهذه المفاهيم، في حين أن أعلام أخرى في تاريخنا العربي-الإسلامي كان لها تفسـيرا مختـلفا يعبر عن رضاها بهذه المفاهيم وقبولها بها وقناعتهم بفائدتها.

فنجد من بين الأعلام الإسلامية الأولى موقف الإمام الحسين بن علي (رضى الله عنهما) (4-61هـ/652-680م)، الذي رفض مبايعه يزيد بن معاوية (25-64هـ/645-683م)، واستشهد في كربلاء. وثورة عبد الله بن الزبير (1-73هـ/645-683م) في الحجاز على الأمويين، وهو ما لاقى قبولا عبرت عنه مواقف وآراء واحد من اتباع مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ونعني به الفقيه ابن حزم (00-438 هـ/00-1046م) من القرن الخامس الهجري/الثاني عشر الميلادي، الذي اسقط طاعة الجائر ونقض شرعيته وكتب بوجوب الخروج عليه. في حين أن الشيخ ابن تيميه (661-728هـ/1263-1328م) من القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، ومن المذهب الحنبلي أيضا، قد تحرج من التسرع في نقض الطاعة، وإعلان الخروج عن الجائر، بل حض على الصبر، وعلى جور الأئمة، وترك قتالهم والخروج عليهم وهو ما يعكسه موقف الإمام الحسن بن علي (رضى الله عنهما) (3-50هـ/624-670م) حين تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان (20 ق.هـ-60 هـ/63-680م) حقنا للدماء وإيثارا لمصلحة الجماعة، ودرءا للفتنة (1).

ولقد سببت هذه المفاهيم، من جهة ثانية، تفشي بعض الممارسات التي جاء الإسلام ليقضي عليها مثل العصبية بأشكالها المختلفة، والقبلية والعشائرية. وظهرت أشكال مختلفة من هذه الممارسات لاحقا مثل: عصبية النسب، وعصبية الدولة، والعصبيات العسكرية (2)، مما ترك موروثا تاريخيا وثقافيا وفقهيا حاول من خلال تلك المفاهيم أن يُؤصل ويبرر هذه الممارسات ويضفي عليها طابعا دينيا لم يعد يقبل، مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال، أي نقاش أو مراجعة!

وإذا عدنا إلى عقود قريبة في التاريخ الإنساني، لوجدنا بأن أوروبا قد بدأت مرحلة جديدة من تاريخها في منتصف القرن السابع عشر بفضل معاهدات وستفالي (وهي مدينة موجودة في ألمانيا حاليا) وبالتحديد في عام 1648، والتي وضعت حدا للحروب الدينية التي عرفتها القارة الأوروبية خلال ثلاثين عاما من تاريخها، واعترفت هذه المعاهدات بالحرية الدينية أي حرية الضمير والمعتقد، وأطلقت بذلك ما عبر عنه بعضهم بتيار "الحداثة" في أوروبا، في حين أن صحوة المجتمعات العربية والإسلامية لم تبدأ إلا في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وجاء في فترة الصحوة من تاريخنا العربي والإسلامي المعاصر من يقترح مفاهيم أخرى جديدة / قديمة مثل مفهوم: "المستبد العادل" التي تعني عند من طرحها مثل المصلح جمال الدين الأفغاني (1254-1315هـ/1838-1897م)، وتلميذه الشيخ محمد عبده (1266-1323هـ/1839-1905م)، "التعويل على النخبة على حساب الجمهور" (3)، بمعنى آخر الاعتماد على "أهل الحل والعقد" عوضا عن مبدأ الاقتراع العام الذي هو من حق الجمهور. وهي مفاهيم تعرضت للنقد بدورها (4)، لأن مواقف الكتّاب والمفكرين لم تكن واحدة ومتفقة إزاء هذه المفاهيم، سواء قديما أو حديثا.

لم تطل فترة الصحوة فجاء الاستعمار الغربي ليجثم على جسم هذه المجتمعات طوال عقود. وحصلت الدول العربية والإسلامية على استقلالها في النصف الثاني من القرن الفائت، وبدأت التحديات الجديدة في الميادين: الفكرية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والعلمية، والفنية.

ونفاجأ بأن المفاهيم التي طغت على المجتمعات العربية والإسلامية في القرون الغابرة، والتي كانت متداولة أيام الاستعمار، وحتى ما قبله، لا نزال نستخدمها ونعتمد عليها بعد الاستقلال وفي بدايات هذه الألفية الثالثة أيضا، وكأن جهود المفكرين والمصلحين والرواد والتي جسدتها مواقفهم وأعمالهم وكتاباتهم قد وقفت عند حدود هذه المجتمعات ولم تدخلها أو تطبق فيها حتى بعد الاستقلال والقبول بالتعايش مع مجتمعات ودول أخرى في هذه القرية العالمية الكبيرة التي تضم دول العالم ومجتمعاته في زمن العولمة الذي نعيشه.

ومما يلفت النظر أن المفاهيم المتداولة اليوم لا تعدّ بحد ذاتها غريبة أو مستهجنة أو حتى مستنكرة بالقياس لما كتب عنه وتداوله فقهاءنا وعلماءنا ومجتهدينا. ويكفي أن نلقي نظرة سريعة ونوازن بين مختلف هذه المفاهيم لنجدها واحدة في المضمون مختلفة في العبارة. فالديمقراطية غير بعيدة كثيرا عن الشورى، والنقد البناء واحترامه يقابله إبداء النصيحة والقبول بها، وفصل السلطات يشبه استقلالية القاضي عن الحاكم خليفة كان أم أميرا أم سلطانا، وحرية الرأي هي نفسها مناقشات الفقهاء ومساجلاتهم، وحرية التعبير هي الاجتهاد بشكل أو بآخر، والضمان الاجتماعي يقابله حقوق الفقراء والمساكين، والمساواة وتطبيق العدالة يجسده واجب حماية حقوق الضعفاء (5).

لكن هذا التشابه والتوافق لم يمنع أن تطفو على السطح، وفي أغلب الأحيان، المفاهيم التي تبرر تصرفات الحكام واستبدادهم وطغيانهم وظلمهم باسم وحدة الأمة ورأب الفرقة، وتهدأ من روع المظلومين حتى لا تكون فتنة. هذه هي إجمالا المفاهيم التي يجب مراجعتها وإعادة النظر فيها على ضوء ما تضمنته العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدعو إلى العدل وترفض الظلم وتحاربه بكل أشكاله، وهو ما نصت عليه أيضا قوانين الدول العربية والإسلامية وما تعارفت عليه مجتمعاتها. وتبقى هذه المراجعة الضرورية والحيوية التحدي الكبير والمعضلة الأساسية للمجتمعات العربية والإسلامية، والمأزق الكبير الذي لم تنجح شعوبها من الخروج منه حتى الآن.
*

الاثنين، ٨ مارس، ٢٠١٠

الإخوان والعمل السياسى


الاخوان والعمل السياسي

كتبها د / محمد حبيب


العمل بالسياسة والانشغال بالهم العام هو من أوجب الواجبات، خاصة فى مواجهة الاستبداد والفساد وحالة التردى التى تعيشها الشعوب، وهو ضرورة فى الأحوال العادية، فالنظم والحكومات حين تستشعر يقظة الرأى العام تعمل على ضبط إيقاع حركتها، فلا تفريط ولا إفراط، ولا تجاوز أو اعتداء على الحقوق العامة أو الخاصة.. ويطلب الإسلام من أبنائه أن يستشعروا تبعيتهم الكاملة للمجتمع الذى يعيشون فيه، وأنهم مرتبطون به، غير منفكين عنه.. لأجل ذلك كان من تراثنا العظيم: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» كما جاء فى الحديث.

وكما أن العمل بالسياسة واجب فهو حق كذلك، لا أقول للمسلم فقط، بل للمواطن على وجه العموم، كل حسب طاقاته وإمكاناته وقدراته. ولا يزعم أحد أن ممارسة السياسة يجب أن تكون حكراً على الأحزاب وحدها، لكنها حق لأى مواطن، بل هى دليل على إيجابيته وحيويته وغيرته على وطنه ومجتمعه.

ويحتاج المشتغل بالعمل السياسى إلى قدرلا بأس به من العلم والثقافة العامة والخاصة، وأن يكون متابعاً جيداً، بل وراصدا ومحللا، لما يقع من أحداث على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، إذ إن ثورة المعلومات والاتصالات والسماوات المفتوحة أسقطت ـ إلى حد كبير ـ خصوصيات الدول والمنظمات والجماعات، وجعلت ما يحدث فى بقعة ما من العالم يؤثر ويتأثر بما يحدث فى البقاع الأخرى وإن كان بنسب متفاوتة.

وكما أن للعمل السياسى بريقه وجاذبيته، إلا أن له متاعبه وتكاليفه وأعباءه، خاصة فى ظل رداءة المناخ السياسى وسوء الأحوال العامة من فقدان للقيم والمبادئ وعنف الصراع وكثرة الفتن واستخدام وسائل المنافسة غير الشريفة غالباً. لذلك وجدنا الكثيرين من الساسة يعانون من القلق والتوتر والإحباط، بل الاكتئاب فى بعض الأحيان، فضلا عن الأمراض المعتادة مثل الضغط والسكر والقولون العصبى وما أشبه..

أما الذين يعيشون فى كنف الدعوة ويتحركون وفق منهاجها وضوابطها، وينهلون من معينها قيم الصبر والثبات والصمود والإيمان والاحتساب والرضا، فهؤلاء يتمتعون طول الوقت، أو جزءا كبيراً منه، بالصفاء الذهنى والعقلى والتوازن النفسى والعصبى، فضلا عن الطمأنينة والراحة والسكينة، بصرف النظر عما يلاقونه من عنت أو مصاعب أو مشاق قد تكلفهم حريتهم وإبعادهم عن أهلهم وأولادهم ودعوتهم.

لقد كان الهدف من وراء اشتغال الإخوان المسلمين بالعمل السياسى هو ممارسة حقهم والقيام بواجبهم فى خدمة وطنهم وبناء مجتمعهم ونهضة أمتهم بصدق وتفانٍ وإخلاص. وفى تقديرى ليس على أجندة الإخوان ـ سواء الآن أو فى المستقبل المنظور ـ المنافسة على السلطة.. فالمسألة لا تعدو كونها، شئنا أم أبينا، تحقيق عدد من المقاعد فى مجلس الشعب يدفع مع إخواننا فى الوطن فى اتجاه عملية الإصلاح الضرورية والحتمية، التى تستلزم التصدى للاستبداد وملاحقة الفساد، وإيقاف التدهور الحادث فى جميع مؤسسات المجتمع: الصحية والتعليمية والثقافية والإعلامية والزراعية والصناعية، وما إلى غير ذلك. ويرى الإخوان أن الاهتمام بالتعليم والبحث العلمى وتوطين التكنولوجيا، فضلا عن التنمية الشاملة، هى قاطرة النهضة والتقدم.

وغنى عن البيان أن الإسلام كما أنه دين فهو حضارة، وأن الإخوان حين يمارسون دورهم السياسى، يصدرون فى مواقفهم عن فهمهم للقواعد والمبادئ والأصول الإسلامية المعبرة بحق عن هوية الأمة، وما انتهى إليه العلماء والأئمة الأعلام والمجامع العلمية والفقهية المعتبرة فى القضايا المختلفة. وفى هذا الصدد أحب أن أؤكد أنه ليس فى الإخوان من هو صاحب قداسة أو عصمة، وأن جماعة الإخوان مجتمع بشرى له اجتهاده ورؤاه السياسية واختياراته الفقهية، وقد تكون موفقة أو غير ذلك، وهو مأجور فى الحالتين طالما يبتغى وجه الله تعالى.

وأما قضية السعى إلى تشكيل حزب من عدمه، فهى مرتبطة فى الأساس بالمناخ السياسى العام، ولا أحد يختلف على أنه سيئ وردىء وأن الحياة الحزبية مهلهلة وتعانى من الشلل التام، سواء كان ذلك ناشئا عن القيود المفروضة عليها من قبل النظام الذى استطاع أن يدخلها «بيت الطاعة»، أو كان ذلك ناتجاً عن هشاشة وضعف البنى الداخلية وفقدان الرؤية للأحزاب القائمة. وليس أدل على ذلك من موقف الأحزاب تجاه الإخوان، أصحاب الرقم الصعب الذى يستحيل تجاوزه فى أى معادلة سياسية.

ثم هذا الموقف الغريب تجاه الدكتور البرادعى دون مبرر معقول، خاصة أن الرجل يتبنى مطالب الأحزاب نفسها! إن من مصلحة الإخوان أن تكون الأحزاب قوية، فذلك يخلق فضاءات سياسية جيدة يمكن أن يتحرك فيها الجميع، بمن فيهم الإخوان، غير أن الأحزاب الرئيسية أصبحت، بوضعها الحالى، فاقدة الصلاحية وهو ما دفع الحركات الإصلاحية والتغييرية إلى أن تنشد العمل بعيداً عنها، وبالتالى أستطيع أن أقول إن الحياة الحزبية لا تغرى ولا تشجع أحداً، ومهما قيل من إيجابيات فى حق التقدم بطلب إنشاء حزب، فإن إضافة رقم إلى الرقم الموجود لا تعنى شيئاً، ويوم أن يتغير هذا المناخ بما يسمح بحرية إنشاء الأحزاب فلا مانع لدى الإخوان من تشكيل حزبهم.

ويدرك الإخوان ـ وكل وطنى غيور ـ أن المشروع الأمريكى الصهيونى فى المنطقة يهدد أمننا ويسعى إلى زعزعة استقرار أوطاننا، ومن ثم كان موقفهم الرافض دائما هذا المشروع، وأن احتلال العدو الصهيونى لفلسطين، أرض العروبة والإسلام، سيظل مصدر خطر داهم للأمة كلها، ومن هنا كان الجهاد بكل أشكاله ووسائله أمراً مفروضاً، ويجب ألا تلهينا مشكلاتنا الداخلية عما يجرى على الساحة الفلسطينية الآن من جرائم تستدعى بالضرورة تحركاً عربياً وإسلامياً على جميع الأصعدة والمستويات، دولياً وشعبياً، فالأمر جد لا هزل فيه.. واليوم، الحرم القدسى الشريف.. وغداً، الحرم النبوى بالمدينة والمسجد الحرام بمكة المكرمة. إن هذا هو قدر مصر ودورها، حكومة وشعباً، شاءت أم أبت، ويجب أن تضطلع به، وهى قادرة بإذن الله.

تبقى كلمة أخيرة تتعلق بسياسة النظام فى التعامل مع الإخوان، وفى ذلك أقول إن الإخوان لهم آلياتهم فى التواصل (العاقل والحكيم) مع الجماهير، والنظام له آلياته فى التحجيم والإقصاء بعيداً عن أى دور فى الحياة السياسية، وما يستتبع ذلك من تضييق وملاحقة ومطاردة واعتقال ومحاكم عسكرية.

وليس من المتصور أن تظل العلاقة على هذا النحو المحتقن والمتوتر إلى ما شاء الله، حيث إن ذلك ينعكس سلباً على كل الأطراف، بل على قطاع كبير من المجتمع، وأن يستبعد فصيل وطنى يمثل ركيزة أخلاقية وإيمانية لازمة وضرورية لعافية وحيوية المجتمع، يصب فى خانة تعويق المشروع النهضوى الحضارى، الأمر الذى يحتاج إلى مراجعة وإعادة نظر، فمصر هى القاطرة التى يمكن أن تشد العالمين العربى والإسلامى، وبالتالى فهى فى حاجة إلى كل أبنائها.

مطلوب إذن من العقلاء داخل النظام أن يمدوا يد التصالح مع الجميع، وألا يستثنوا طرفاً، لأن مسألة الإصلاح وانتشال الوطن من وهدته لا يمكن أن ينهض بها طرف واحد، أياً كان وزنه أو حجمه. أرجو ألا تكون هذه الدعوة صيحة فى وادٍ أو نفخة فى رماد، فالأيام المقبلة تحمل فى ثناياها ما لا يمكن توقعه أو التنبؤ به.

نقلا عن المصري اليوم

الأحد، ١٤ فبراير، ٢٠١٠

يا دكتور عبدالمنعم ..دعوة الاخوان للانسحاب من الحياة السياسية ضد المصلحة الوطنية


يا دكتور عبدالمنعم ..دعوة الاخوان للانسحاب من الحياة السياسية برجماتية تنظيمية ضد المصلحة الوطنية

كتبها / عبدالمنعم محمود

اثارت تصريحات الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح القيادي في جماعة الإخوان المسلمين وعضو مكتب الإرشاد السابق التي دعا فيها الإخوان إلي الإنسحاب من المنافسة البرلمانية لمدة عشرين سنة ردود أفعال كثيرة وهنا أورد السؤال الذي وجهه مشرف موقع ملتقي الإخوان في الحوار الذي أجراه مع أبو الفتوح حيث سأله

البعض يري أن الإخوان سعداء بثنائية النظام والإخوان، وأن الإخوان هم سبب عدم تقدم النظام السياسي في الدولة، وتحويل حالة الحراك هذه إلي واقع، وأن يكون هناك تداول سلمي للسلطة وأن تكون هناك سياسة حقيقية في مصر؟

وكانت اجابة أبو الفتوح كالتالي

تحميل الإخوان لهذه المسألة ظلم، وهذا معناه أنك تنتصر للجلاد من الضحية، نحن مثل كل مصر ضحية لنظام فاسد ومستبد، وبالتالي لا يجوز أن تقول هذا، لكن أن تقترح وأنا مع الذي يقترح هذا أو تري وأنا مع الذي يري هذا أن الإخوان يخرجون من المنافسة الحزبية لفترة من الزمن، أقترح أن تكون عشرين عاما، يخرجون منها ويدعوا هذه الانتخابات تسير، وذلك حتي يجردوا النظام من الذريعة التي يقدمها للغرب للأسف الشديد، وكان يجب علي النظام كأي نظام وطني ألا يفعل هذا، لا يفعل هذا لأنه يقدم ذريعة للغرب، لماذا تقدم له ذريعة أصلا؟ لماذا تستقوي بالغرب علي أبناء وطنك وعلي جماعات مصر الوطنية ومنها جماعة الإخوان المسلمين؟

فإذا انسحب الإخوان لمدة 20 سنة من المنافسة الحزبية وتركوا النظام هكذا أتصور أن هذا شيء جيد، إذن فلتجري انتخابات ديمقراطية ولتأتي مجموعة وطنية ليبرالية ندعمها نحن ونؤيدها لإدارة شئون الوطن،حتي نؤكد المعني الصادقين فيه -ولا يريد أحد أن يصدقه - نحن ننافس علي مصلحة الوطن لكن لا ننافس علي حكم الوطن، لأننا لسنا مشغولين بحكم الوطن مع أن هذا حقنا، لكن نحن سنتصدي وسنظل صامدين أمام أي شخص أو قوي تريد أن تفسد في مصر، أيا كانت، لكن لا نقصد بهذا أن نزيل الجالس علي الكرسي لنجلس مكانه، لكن نحن نريد أن نزيل الفساد والاستبداد ليجلس «الصلاح» وتجلس «الحرية» مكانه أما من يكون هذا الذي سيجلس؟ فهذه مسألة يختارها ويحددها المصريون، ولسنا نحن الإخوان فنحن جزء من مصر ولسنا كل مصر.

اجابة الدكتور أبو الفتوح كانت صادمة لكثير من الإخوان وكانت صادمة لي أكثر لأنها جاءت من شخص مثل الدكتور أبو الفتوح

فربما نتفق مع الدكتور عبدالمنعم أن الإخوان يجب أن ينسحبوا من الحياة السياسية طالما أنهم غير فاعلين في التغيير السياسي ومشاركتهم في وقت من الأوقات تمثل ديكورا جيدا للنظام ولكن أن تنسحب الجماعة لصالح أن قوي وطنية أخري ليبرالية تواجه هذا النظام فهذا الأمر غير واقعي , لأن مواجهة النظام للإخوان ليس لكونها حركة اسلامية وتستغل ذلك أمام الغرب , المواجهة هي سياسية صرف والنظام يتعامل مع الإخوان كتيار سياسي يخشي من منافسته لأنه الأكثر قوة وتنظيما , ولو أن التيار المعارض الأكثر قوة في مصر جدلا كان علمانيا أو ليبراليا صرفا لواجهه النظام بنفس الأسلوب والمنهج الأمني لأننا نتعامل مع نظام أمني ديكتاتوري مستبد , فهل لو انسحب الإخوان من العمل السياسي أن ينافس شخص ليبراليا مثل محمد البرادعي مثلا ولو قبل وهو مستحيل فهل سيسمح النظام لجماعة قوية لها أنصار ومؤيدين في كل مكان أن تساند البرادعي أم أنه سيتبع معها نفس الأسلوب في القمع والاعتقال لترهيبها من المشاركة في واتخاذ هذا الموقف المعارض

النظام المصري ليس له أي توجه سياسي أو أيدولوجي ولكنه منهجه الوحيد هو عصا الأمن لأن نظام مبارك فعليا حول مصر إلي نظام ملكي في شكل رئاسي لذا فهو لن يدع أي قوة مهما كانت أفكارها أن تواجهه , فالنظام "المباركي الملكي" أخذ موقفا سلبيا من عمرو موسي أمين عام جامعة الدول العربية وهو كان جزءا من هذا النظام لمجرد أمنيات وخيالات لدي البعض أن موسي شخصا مناسب لحكم مصر وهو اموقف نفسه الذي اخذه النظام من البرادعي وأحمد زويل وترطكوا عليها كلاب الحراسة الصحفية اتابعة " للملك "تنهش عظم الاثنين

دعوة الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح للانسحاب من الحياة السياسية ربما تكون في مصلحة تنظيم الإخوان حين يجري صفقة مع النظام أن لا ينافسه أو يتخذ موقفا صامتا في لحظات التغيير ولكن ليس في مصلحة الجماعة الوطنية وهي دعوة برجماتية تنظيمية لم نكن نتوقع أن تصدر من الدكتور أبو الفتوح , والدكتور قال في حواره هذا ليس انسحابا سياسيا ولكنه انسحاب من المنافسة علي السلطة وسيظل صوت الاخوان مرتفع في قضايا الحريات والدفاع عن فلسطين وغيرها , والعجيب في هذا الكلام والسؤال موجه لأبينا واستاذنا الدكتور أبو الفتوح هل نافس الإخوان علي السلطة في يوم من الأيام بعد السبعينات وهل في استراتيجية الإخوان كان لهم استراتيجية الممنافسة علي السلطة والحكم في مصر مع تأكدي التم أن المنافسة البرلمانية ليست منافسة علي الحكم فالبرلمان المصري لا يمثل سوي إحدي أدوات النظام

اذن كنا ننتظر دعوة الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح لجماعة الإخوان أن يفعلوا مشاركتهم السياسية حسب قدرتهم التنظيمية الحقيقية باعتبارهم أكبر القوي علي الساحة كنا ننتظر أن يدع الدكتور أبو الفتوح جماعته للخروج من شرنقة التنظيم الي ساحة العمل المفتوح لمواجهة هذا النظام المستبد وألا يكتفوا بالتنديد والاستنكار السلبي الذي يقومون به وأن يتبوءوا موقعهم في قيادة الشعب وتنويره وتثويره ضد حالة الاستبداد التي نعيشها وساعتها من الممكن للإخوان أن يتحالفوا مع اي مرشح ليبرالي ويقدموه هم منافسا للنظام وليقدموا ردا عمليا للغرب أنهم ديمقراطيون ولا يمثلون خطرا عليهم , هذا ما لم نكن ننتظره منك يا دكتور عبدالمنعم وما لم نتعلمه منك أبدا

وكنا نتمني مناقشة الدكتور عبدالمنعم في رؤيته لولا عزوفه عن الصحافة المكتوبة عقب خروجه من السجن لظروفه الصحية

تورتة عيد الميلاد...ابراهيم عصام العريان


تورتة عيد الميلاد

كتبها د / ابراهيم عصام العريان

يجرى ابنى يحيى الصغير داخل مكتب رئيس النيابة ويلاحقه عسكرى ويضاحكه المحامى ويقول له: "مستعجل على ايه يا يحيى؟!"

يتصنع الجميع الابتسامة داخل سرايا النيابه بالتجمع الخامس فى أولى جلسات التحقيقات فى القضية رقم 202 أمن دوله عليا، وتعلو ضحكات دكتور عصام العريان والدى -الخطير جدا على الأمن القومى-، فمن أسف شديد تعيش أسرتنا من جديد سيناريو مكرر لفيلم ماسخ من انتاج وزارة الداخلية يقضى باعتقال الشرفاء وابناء مصر المخلصين.

وتبدأ زيارتنا الأولى للوالد العزيز فى أول يوم له فى التحقيقات التى رفض أن يدلى فيها بأى أقوال بعدما تكلم من قبل 200 ساعه وحوكم على نفس التهم 7 سنوات متفرقات.

ويحاول بنفس هادئة مشفقه أن يخفف عنا هذا الجو الكئيب الذي مهما حاولنا التعود عليه سيظل دوما مؤلما ونحن نرى اليد الحانية وهى تغل بأسوار الحديد.

"كل سنة وانتِ طيبة يا حاجة فاطمة"

يقولها والدى وهو حزين أن تكون فى هذا المكان فى هذه الأوقات، وتصر والدتى أن تسأل أسئلتها الشائكة المتكررة والمشفقة، لماذا اعتقلوكم؟ ولماذا هذه المجموعه بالذات؟ما هى التهم هذه المرة؟ ولماذا هذا التوقيت؟ هل بسبب انتخابات مكتب الارشاد أم بسبب انتخابات الشورى والشعب؟

يضحك أبى ضحكة عالية ويقول لأمى: "بقى يا حاجة بعد 30 سنة وانتِ بتسألى نفس الاسئلة زى النيابة بالضبط؟!! أنا مش قلتلك قبل كده ان الأسئلة ديه ملهاش اجابة حتى عند أمن الدولة، المجنون يحيرك أمره، ماتشغليش بالك يا حاجة، كل سنة وانتِ طيبة."

وأخرج من جيبه كتاب صغير يحبه، وقلب صفحاته وقرأ لنا منه هذه الحكمة بعدما سألناه وكلنا اشفاق " هايعملوا فيكو ايه؟"

"الغافل إذا أصبح ينظر ماذا يفعل، والعاقل يصبح ينظر ماذا يفعل الله به "

فالغافل مشتغل بتدبير نفسه، مصروف عن النظر إلى مولاه، فهو حقيق بأن يكله الله إلى نفسه فيتشتت عليه قلبه، وينغص عليه مراده. أما العاقل فيقول : ماذا يفعل الله بى ؟ فهو ناظر إلى الله تعالى وإلى ما يرد عليه منه، وذلك لوجود عقله ودوام يقظته، فلا جرم أن يكفيه الله تعلقات الآمال، ويفرغه من جميع الأشغال، ويقر عينيه بما يقيمه فيه من أعمال أو يورده عليه من أحوال، وهذه سعاده عظيمة .

"وقول عمر بن عبد العزيز : "أصبحت ومالى سرور إلا فى مواقع القدر"

وبعد هذا الكلام، أعاد علينا قراءة الحكمة مرتين لنفهمها ونحاول أن نعيش على معناها.

"المهم..... طلبات كل مرة يا أولاد: بطانية الجرائد اقلام ورق مسطر راديو موجة متوسطه للبي بي سي والبطاريات وكتاب فتح البارى الجزء الاول، الحمد لله ربنا رزقنا بأستاذ حديث فى الأزهر يدرس لنا ونستفيد من وقتنا، وعلى العموم احنا طلبنا نترحل على سجن المزرعة، فأنت فى مصر لك مطلق الحرية أن تختار المكان الذى تقيد فيه حريتك."

ارتسمت مرة اخرى على وجوهنا ابتسامة حزينة من عبارته الساخرة، وحاولنا أن نعرف إلى أى سجن سيتم ترحيله. لكن من الواضح أنه كان فى هذا الوقت سرا حربيا.

غادرنا بعد السلام والكلام وفي أنفسنا غصة ومرارة احساس شديد بالظلم، وبعد توصياته الأخيرة لكل منا بأن يكون أفضل. صلاه الفجر المعمل الماجستير.... هذا كان نصيبى.

وفى طريق العودة، حالة من الصمت والسكون وكأننا فى حلم أو كابوس والكل يفكر فى الوصية الاخيرة التى أوصانا الوالد بها ...


"تورتة عيد الميلاد"


الأحد، ٧ فبراير، ٢٠١٠

إشكالية المواطنة بين حدود المفهوم وتحولات الواقع


كتبها / مهدي البرهومي

قامت الحداثة السياسية "كعنصر أساسيّ في منظومة الحداثة "، على مبدأ أنّ السلطة تستمدّ مشروعيتها من الشعب، وهو ما يستلزم نزع القداسة عن الفعل السياسي وتأسّس الاجتماع السياسي على أسس مدنية، لعلّ قوامها الجوهريّ هو "المواطنة" كصيغة قصوى للاجتماع السياسي الحديث.

ولئن مثّلت المواطنة في صيغها الراهنة حلا لمعضلات تاريخية من قبيل "تداخل الزمني والروحي، الاحتراب الديني والاستبداد السياسي في أوروبا.."، إلا أن ظهور تحوّلات عميقة على مستوى البناء الاجتماعي والفضاء السياسي قد أدّى إلى عودة الجدل حول مدى استيعاب مفهوم المواطنة للواقع السياسي والاجتماعيّ باعتباره مفهوما خاضعا للشروط التاريخية وعامل الزمن. فعلى المستوى الأوروبي، تصاعد الجدل حول أزمة الأقليات ذات الأصول المهاجرة كما شهد المجال السياسي تحوّلات نحو اتحادات وتكتلات دولية مثل "الاتحاد الأوروبي"و"اتحاد دول آسيان".

أما على المستوى العربي، فإننا نلاحظ أنّ الدولة الوطنية الحديثة قد فشلت في خفض التوترات الطائفية والعرقية، وفي ترسيخ حسّ الانتماء إلى الوطن، وما إطلاقها لشعارات من قبيل "الأردن أوّلا" أو"تونس أوّلا"، إلا تعبيرٌ عن فشل الاجتماع السياسيّ القائم على الزبونية والإكراه في تحقيق تعاقد اجتماعي وسياسي مواطني.

ونشير إلى أنه، رغم هذه الأزمات والتحولات، فإنّ هناك من يصرّ على طرح الفكر الليبرالي والنظام العالمي الجديد في صيغ تبشيرية ومهدوية. وهو دور يضطلع به على المستوى الفكري مفكرون ليبراليون من أمثال "فوكوياما"، وتتخذه الإدارة الأمريكية أجندة لسياستها الخارجية، التي تبشّر بالنظام الليبرالي مشروعا أبديا معولما ومعولبا للإنسانية تمثل "المواطنة"إحدى لبناته الأساسية.

كل ذلك يجعلنا نتساءل حول ماهية أوجه القصور المفهومي للمواطنة في صيغها الراهنة التي تحول دون استجابتها لتحولات العصر: هل المواطنة مفهوم منجز أم مفهوم مطروح للإنجاز؟

1) سؤال في المنهج: ارتأيت قبل الولوج إلى موضوع هذا المقال وإعمال فعل التفكّر حول المواطنة، أن نبحث المقاربة المنهجية المثلى لمعالجة المواطنة كإحدى اللبنات الأساسية لمشروع الحداثة.

نقد الآخر مدخل للتنوير

اتسم الفكر العربي المعاصر في مقاربته المنهجية لقضايا الحداثة عموما بسمة التقليد للمناهج الغربية دون التفطن إلى ما تتضمنه من تحيزات مركزية الرؤية والنموذج المعرفي الغربيين.

في هذا السياق لا تكتسب جل المنجزات الفكرية التي ينتجها لنا المفكّرون، التراثيون والحداثيون على حدّ سواء، قيمة منهجية كبرى، إذ أنهم ينطلقون في مشروع التنوير من الانشغال بالذات كموضوع اشتغال (من خلال ثنائية الجلد والتمجيد حيث تراوح الفكر العربي المعاصر بين التأييد الدفاعي عن الذات والمتعصب لها، وبين النقد والتفكيك للذات انبهارا بالغرب) بدل البدء بنقد فرضية مسكوت عنها، ألا وهي مركزية الفكر الغربي بأدواته ومفاهيمه.

لذلك يمكن أن نعتبر الانشغال النقدي بالآخر منطلقا للتأسيس ومدخلا لتنوير الذات، دون السقوط في نزعة دفاعية أو مازوشية، مما يمكننا من دخول منطقة السؤال بدل الاكتفاء بنقل الأجوبة الجاهزة من الذات التراثية أو من الذات المتغربة. وتجدر بنا الإشارة هنا إلى أن ما تقدم ليس استنقاصا من قيمة الجهد المبذول في إصلاح العقل العربي وإصلاح الفكر الديني وأهميته، وإنما هي في نظري أولويات يقتضيها المنهج.

الاستيعاب والتجاوز

تستمد آلية "الاستيعاب والتجاوز" قيمتها المنهجية من مبدأ التراكم المعرفي للحضارة الإنسانية. فما الحضارة الإنسانية إلا ثمرة إسهامات جميع التشكلات الحضارية والأمم المختلفة بما يدفع الأفق المعرفي الإنساني قدما. فحمل أمة ما لمشعل الحضارة الإنسانية لا يكون إلا بالبناء التفاعلي مع باقي الأمم، تحقيقا لسنة التدافع واستجابة لقانون الدورة الحضارية الخلدوني، إذ يعتبر ابن خلدون أن زمن انطفاء شعلة الحضارة "إسلاميا" هو زمن اشتعالها في مكان ما آخر من العالم بناء على منتجات حضارية سابقة (1)، ولعل إسهام "فلسفة بن رشد" في بناء التشكل الحضاري في صيغته الغربية تصديق لرؤية ابن خلدون.

غير أننا نجد ضمورا لهذه الآلية المنهجية في عديد المشاريع الفكرية للنهضويين العرب من أمثال الدكتور عبد الله العروي. فقد طرح العروي نقدا للحركات اليسارية العربية على أساس عجزها عن استيعاب القيم الليبرالية من ديمقراطية ومواطنة في إطار رفضها للتبعية للنظام الرأسمالي، ودعاها إلى توطين معطيات المرحلة الليبرالية في الفكر العربي كأحد شروط التطور التاريخي دون المرور ضرورة بمرحلة ليبرالية في الواقع. حيث يدعو العروي إلى ماركسية تاريخانية، في أفق تجاوز جدلي للليبرالية نفسها كمرحلة تاريخية ونظام سياسي ومنظومة فكرية(2). غير أن مقاربة العروي نفسها لا تستجيب في نظري لآلية الاستيعاب والتجاوز (وإن طبقها على الليبرالية) باعتبار ارتهان هذا الاستيعاب للنموذج المعرفي الغربي وتشكله الحضاري بشقيه الليبرالي والماركسي.

الراهنية والتحيين

بقي تمثل الفكر العربي للمفاهيم الحداثية رهينا لظروف نشأة هذه المفاهيم وسياقاتها التاريخية (عصر الأنوار)، ولم يرافقه إدراك لتحولات المفهوم وتطوره التاريخي في سياق الاستجابة للتغيرات التي فرضها الواقع ومعاول النقد والتجربة التاريخية.

فقد بقي تصورنا للعلمانية على سبيل المثال محصوراً في فصل الدين عن الدولة، ولم ندرك بعد سياق تحوّلها إلى علمنة شاملة تكتسح المؤسسات والمجتمع والأفراد. (راجع تناول المسيري للعلمانية كمتتالية نماذجية آخذة في التحقق).(3)

كما لم يواكب الفكر العربي التغيرات التي شهدها مفهوم العقلانية إلا في مرحلة متأخرة. فقد طرأت على هذا المفهوم تحولات خاصة مع مدرسة فرانكفورت. إذ تناولت هذه المدرسة مفهوم العقلانية التي قامت عليها الحداثة الغربية بالنقد فاعتبرتها عقلانية أداتية. ومن ثم طرح الفيلسوف الألماني هابرماس (أحد المنتمين المعاصرين للنسق الفلسفي لهذه المدرسة) مفهوم العقلانية التواصلية (4) بديلا للعقلانية الأداتية أو الإجرائية، وهو ما أدى إلى تعدد العقلانية من ناحية وتطورها مفهوميا في اتجاه يستجيب للنقد والتجربة من ناحية أخرى.

2) المواطنة كإضافة نوعية للاجتماع السياسي ومكسب إنساني كوني:

في ظل الأسس المنهجية آنفة الذكر لا يفوتنا تثمين الإضافة النوعية التي قدمها مفهوم المواطنة في مجال الاجتماع السياسي الحديث، إذ أننا نعتبر هذه الأسس كونية ولا نملك ترف الزهد فيها بل نعتبرها حلقة أساسية في أي مشروع نهضوي على مستوى تنظيم المجال السياسي والاجتماعي.

مفهوم التعاقد (5)

تأسس الاجتماع السياسي الحديث على فكرة التعاقد واعتبار المواطن عضوا في الدولة له حقوق وواجبات بدل تأسسه على مفهوم التفويض الإلهي أو مفهوم الغلبة(6) الذي ساد لفترة طويلة خلال القرون الوسطى.

حيث يستمد الحاكم مشروعيته من قهر خصومه وبسط نفوذه وسطوته على الأغلبية وغلبتهم. لكن رغم حضور ديباجات المواطنة في النصوص الدستورية والقانونية للدول العربية فلازالت الحياة السياسية فيها تقوم على مفهوم الغلبة عند السلطة والمعارضة على حد سواء، حيث تسود ثقافة الحزب الواحد والانقلابات العسكرية والعنف السياسي والعمل السياسي السري والشمولي في الحياة السياسية العربية .

مفهوم المشاركة

ونعني به حقّ المواطن في المشاركة النشيطة في تدبير الشأن العام واختيار السلطة والتأثير في إستراتيجيتها ومحاسبتها ومساءلتها، عبر الانخراط في مؤسسات الضغط والفعل الاجتماعي والمدني. وبذلك يكون المواطن شريكا أساسيا في تسيير شؤون الدولة "باعتباره عضوا قانونيا فيها "وتسيير شؤون المجتمع.

التعايش والتسامح والغيرية

ونعني بهذه المفاهيم الإقرار بواجب احترام الرأي المخالف وتكريس قيم العيش المشترك بما يساعد على تخفيض حدة التوترات الطائفية والمذهبية ويرسي مناخ السلم الأهلي والوحدة الاجتماعية.

المساواة وعلوية القانون

الدولة المواطنية (القائمة على ثقافة المواطنة) "على خلاف الدولة الدينية أو العرقية "لا تميز بين افرداها على أسس مذهبية أو عقائدية أو عرقية، وإنما تتعامل معهم بمساواة تامة أمام القانون وبالنظر للحقوق والواجبات لكافة المواطنين.

3) المواطنة: محدودية المفهوم وتحولات الواقع:

الفضاء الخاص والفضاء العام :الذات المنفصلة والفضاءات المتداخلة

تنبني المواطنة في السياق الغربي على ضرورة الفصل المعنوي بين الفضاء الخاص الذي يتعلق بكل ماهو حميمي وشخصيّ، والفضاء العام وهو المجال المشترك الذي يخضع لتنظيم القانون ورقابة القيم التي يفترض ارتضاؤها من قبل المجتمع.

يحدث هذا الفصل من ناحية نظرية نوعاً من الإرباك للذات حيث تعيش حالة من الانفصال بين حقيقة الذات وماهيتها من جهة، وبين مقتضيات الفعل في الشأن العام خاصة على مستوى تضارب القيم. غير أن هذا الفصل لا يعدو أن يكون فصلًا وهمياً في سياق التجربة الحداثية حيث غالباً ما نجد تداخلاً بين المجال الخاص والعام.

ففي مرحلة أولى، سعت الدولة الوطنية الحديثة في سياق البحث عن الولاء والشرعية واحتكار مرجعية الانتماء إلى"الدولة/الأمة" إلى إحكام الهيمنة على المجتمع وتأطيره ضمن منظور شمولي كاسح. وقد تم في هذا السياق ابتلاع أو غزو الفضاء العام للفضاء الخاص، فنفى عنه أي إمكانية للاستقلالية. وهو ما يعرف بمبدأ الترشيد الحداثي للفرد أو"القفص الحديدي" كما يعبر عنه ماكس فيبر" من خلال سطوة مؤسسة الدولة ونفوذها عبر التعليم والإعلام والمؤسسة الأمنية والعسكرية، أو بعبارة أخرى تطبيق "الدولنة الشاملة ".

وفي مرحلة لاحقة، شهدت المجتمعات الحداثية تدفق الفضاء الخاص وفيضانه على الفضاء العام. إذ نلاحظ عزوف الفرد عن المشاركة في الشأن العام وانطوائه على الشأن الحميمي الخاص، وكأنه في طلاق مع الفضاء العام. ويتجلى ذلك من خلال استصحاب الفرد لما هو حميمي داخل الفضاء العام مثل الانتشار الواسع لظاهرة تلفزيون الواقع وبرامج الاعتراف بالمشاكل والأخطاء الشخصية الحميمية المتعلقة بالفضاء الخاص من قبيل الخيانة الزوجية، الطلاق ومشاكل تربية الأبناء في مجال البث التلفزيوني المتعلق أساساً بالمجال المشترك وقضايا الشأن العام، إضافة إلى انتشار ظاهرة استعمال السماعات في الأذنين حيث يتحرك الفرد داخل الفضاء العام مستصحباً اختياراته الفنية الخاصة، وهو ما يحول دون إمكانية التواصل وبناء المشترك. زد إلى ذلك انتشار الروابط الافتراضية الالكترونية بدل التواصل الإنساني المباشر، والاشتغال بالحياة الخاصة لمشاهير الفنانين والساسة والرياضيين. من هنا يتوجب مراجعة المفهوم بما يستجيب لهذه التناقضات.

الصعود المتوحش للفردانية وإشكالية المواطنة الليبرالية:

في سياق تنامي الفردانية، لا تعدو المواطنة أن تكون دافعا لتحصيل حقوق مادية للفرد يسعى لتوسيع دائرتها أقصى ما يمكن، استجابة لدوافع اللذة والمتعة والمنفعة الشخصية، في ظل ضمور روح التطوع والضمير الخلقي والحس الجماعي وانكفاء الفرد غلى ذاته حدّ الولع النرجسي. وهو ما تظافر مع انتشار النسبية الأخلاقية والنزعة الأنانية، في تفكك الروابط الاجتماعية وانفصال الذات الفردية عن الذات المجتمعية.

ولئن كانت الليبرالية تعتبر السياسة موضعا للتعاقد الاختياري بين مواطنين أحرار، إلا أنها تخفي إخضاعها الأفراد لآليات التطويع و الترويض والقهر. فالمواطن الليبرالي ليس كائنا حقوقيا مجردا بل هو قبل كل شئ كائن حي خضع ومازال يخضع لأشكال شتى من الضبط والإكراه الناعم المنبث في مختلف مناحي النسيج الاجتماعي والسياسي على حد تعبير ميشال فوكو. يجعل هذا القمع الناعم سلوك المواطن في ظل "مواطنة لبرالية" قابلا للضبط والتوجيه والتحديد ضمن وعاء سياسي محدد ومنضبط. كما تحتاج فكرة مشاركة المواطن في تحديد سياسات الدولة في إطار مواطنة ليبرالية في حاجة إلى تنسيب ومراجعة. حيث نجد مثلا أن تحديد السياسات الخارجية في النظم الليبرالية لا يخضع لمواقف مجموع المواطنين، وإنما لتحالفات النخب السياسية ودوائر النفوذ المالي والإعلاميّ، ولا أدلّ على ذلك ممّا حدث خلال العدوان على العراق سنة 2003 حيث اتخذ قرار الحرب رغما عن خروج مظاهرات مليونية تندّد بهذا القرار الليبرالي!!

قطعا لا نشكك في مساهمة المواطنة الليبرالية في تقليص مخاطر التوتالتارية والأنظمة الشمولية من ناحية، ومن مخاطر التوحّش الرأسمالي من ناحية أخرى. إلا أن استفحال الفردانية والتفكك الاجتماعي وخضوع الإنسان لترشيد المواطنة الليبرالية وإكراهاتها تجعلنا نفكّر جديا في ضرورة الفصل بين المواطنة والليبرالية، وضرورة إيجاد صيغ أعدل و أكثر إنسانية لمفهوم المواطنة.

المواطنة العلمانية وتحدي عودة المقدس:

لا تنظم المواطنة العلاقة بين الفرد والدولة فحسب، وإنما تطرح نفسها أيضا كرابطة اجتماعية تنظم العلاقة بين الأفراد. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن العلمانية هي رؤية مادية نفعية للكون والعلاقات والروابط الإنسانية، فإنّ المواطنة المتصلة بالعلمانية والمتأسسة عليها هي مواطنة منفصلة عن القيمة. إذ أنها تجرد الفرد من أيّ عمق إنساني مركب وتؤسس لروابط اجتماعية يغلب عليها الطابع الأداتي والإجرائي والحسابي والتعاقدي الجافّ، وتغيب عنها الأبعاد الأخلاقية والمقاصدية والرمزية والدفء الإنساني، على عكس العلاقات الإنسانية المركبة : "الصداقة" والأخوة" والعشق"، التي لا يمكن تفسيرها واستيعابها في إطار علمانيّ جافّ. فلا يمكن لهذا النوع من العلاقات الاجتماعية التفاعل مع ما يطرأ على الإنسان من أطوار الألم والفرح والحزن، وهو ما عمّق حالة الاغتراب التي يعيشها الإنسان المعاصر. كما تنظر المواطنة العلمانية للحقوق والواجبات نظرة مادية وآلية، لا تستجيب لحاجيات الإنسان غير المادية من قبيل الحنان والمودة والرحمة والأنس. ومن هنا تتبيّن الحاجة الملحّة إلى إضفاء قيمة التراحم إلى جانب التعاقد في تنظيم الروابط الاجتماعية. ولعل هذا ما يشير إليه الحديث النبوي "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا ما اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى."(7)

أما على المستوى السياسي فإنّ التجربة التاريخية تبيّن تهافت الترابط بين المواطنة والعلمانية كسبيل وحيد لتحقيق قيم العدل والمساواة والحرية. إذ لم تكن المواطنة المنبنية على أساس علماني ضمانة للاستقرار والوحدة الاجتماعية كأحد الشروط اللازمة لقيام حياة سياسية هادئة ومستقرة. نذكر على سبيل المثال التجربة التركية كنموذج مواطني علماني في تعاملها مع الأكراد (أتراك الجبال)، وما رافق ذلك من حيف وتمييز واحتراب. كما نلاحظ تجارب مواطنيه مشجعة في فضاءات غير علمانية، كالتجربة الهندية التي أسست للمواطنة في فضاء هندوسي، والتجربة التركية المتأخرة زمنيا التي أسست للمواطنة في فضاء إسلامي. وهو ما يدعونا إلى ضرورة تنقية المواطنة من أي صبغة اديولوجية والعمل على ضمان تفاعلها مع الفضاءات الثقافية والحضارية بما يكسبها مرونة أكثر في التفاعل الإبداعي مع عودة التدين في المجتمعات المعاصرة.

المواطنة ما بعد الحداثية: صعود الخصوصية والأقلوية وضمور الكونية والإنسانية المشتركة:

يتأسس هذا النوع من المواطنة على مفهوم "الأقلية" وارتباط الفرد بتاريخ وتراث مخصوصين، وما يعنيه ذلك من تركيز على الفوارق بين الذات المتمركزة حول نفسها وبين غيرها من الجماعات داخل المجتمع الواحد. وهو ما يجعلها تحمل نظرة إقصائية للآخر المختلف والمغاير، وتؤسس لحالة من العزلة المغرورة والغيورة وتأسر الأفراد في عوالم من النرجسية والأنانية والشعور بالمظلومية. ويعتبر هذا النوع من المواطنة ترجمة لتيارات فكرية ما بعد حداثية من قبيل الجندرية، المثلية، النسوية المتطرفة والنازية الجديدة. وبذلك يحول منطق النسبية والأقلية المجتمع إلى مجتمع لا يقوم على أغلبية وأقلية وبالتالي على حد أدنى مشترك، وإنما يتحوّل المجتمع إلى مجموعة من الأقليات المنغلقة فيصبح أشبه بالجزر المتباعدة. حينئذ لابد أن نساهم في إيجاد صيغ للمواطنة أكثر انفتاحا وتعبيرا عن المشتركات الإنسانية.

العولمة وتحديات الحيز القطري:

انتشرت في الفترة الأخيرة مقولة المواطنة العالمية في ظل تفاؤل بآلية عالمية وهي"العولمة" التي ترسخ مفهوم المواطنة وقيمها في العالم. لكن هذا التصور لا يخلو من خلل.

تنبني فكرة المواطنة على الانتماء لحيز جغرافي محدّد ترعاه الدولة، لكن في ظل توجه مستمر للعولمة نحو تدمير المقومات الكبرى التي ارتكزت عليها الدولة الأمة الضامنة للمواطنة، وبالتالي فلا مصداقية من وجهة نظرنا لمواطنة تظل تحت رحمة منطق السوق والشركات المتعددة الجنسية.

كما يقوم مفهوم المواطنة على أساس من الاختلاف في المرجعية والممارسة، بينما تقوم العولمة على توحيد النظرة ومرجعية العمل والتفكير. وبالتالي فعولمة المواطنة هي عولمة لذات النظرة ولذات التمثل. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار العولمة تهديداً وتحدياً حقيقياً أمام المواطنة خصوصا في الدول العربية التي تواجه أزمة في العمل الجمعياتي حيث تعتبر الجمعيات المحلية فروعا للجمعيات والمنظمات الدولية تخضع لسياستها وتمويلها، وفي العمل النقابي حيث تواجه النقابات المحلية مؤسسات اقتصادية عابرة للقارات يصعب الضغط عليها والتفاوض معها، وفي العمل السياسي في ظل عدم استقلالية القرار السياسي السيادي وخضوعه لمؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي. وبالتالي علينا التفكير أكثر في صيغ للمواطنة تعبر أكثر عن الهوية الوطنية، وتشكل مقوما سياديا للممانعة أمام مخاطر العولمة .

رهانات المواطنة واستحقاقات الوطن:

يمكن اعتبار هذا الإشكال أحد الأسباب الرئيسية للتوترات السياسية القائمة في المنطقة العربية والإسلامية، حيث يصعب حسم الخلاف حول أولويات النضال الوطني من ناحية وما يقتضيه من بناء مؤسسات الدولة (عسكرياً وصناعيا واقتصاديا …) وضرورات الأمن (مواجهة الإرهاب والتهريب …) والتحديات الخارجية التي يمكن أن تفرضها استقلالية القرار السياسي لهذه الدول، وبين استحقاقات التعاقد المواطني من احترام للحقوق الفردية وتوسيع هامش الحريات والانفتاح أكثر على المنظومات الحقوقية لكن في ظل تدويل لحقوق الإنسان، وجعلها اديولوجية السيطرة العالمية من قبل دول ذات مكيالين في تعاملها مع المرجعية الحقوقية وبين استبداد الأنظمة الداخلية نشهد انقساما بين الفاعلين السياسيين والنشطاء الحقوقيين حول أولويات النضال.

مثال : الأزمة الحاصلة بين المحافظين والإصلاحيين في إيران، مجموعات 8 آذار و-14 آذار في لبنان، التجربة العراقية بين الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي وكيف تعاملت المعارضة العراقية معها…



حينذٍ لا بدّ من التباحث حول صيغة تطرح حلا يضمن الحقوق والحريات الفردية والجماعية وتمثّل مخرجا لهذه الأزمة.


الهوامش:

1- انظر كتاب وجهة العالم الإسلامي لمالك بن نبي.

2- انظر كتاب العرب والفكر التاريخي لعبد الله العروي.

3- انظر كتاب العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة لعبد الوهاب المسيري.

4- أنظر كتاب القول الفلسفي للحداثة، يوردن هابرماس ،ترجمة فاطمة الجيوشي.

5- برهان غليون، نقد السياسة ،ص 144.

6- مفهوم الغلبة مفهوم طارئ على الاجتماع السياسي في التجربة التاريخية الإسلامية حيث لا نجد مسوغاته في المدونة التأسيسية وإنما كان تحولاً ناتجاً عن ظروف وملابسات تاريخية مضافة.

7- أخرجه البخاري في صحيحه

الجمعة، ٥ فبراير، ٢٠١٠

حين تتدني أخلاقنا


كتبها م / هيثم أبوخليل


كتب الأستاذ محمود سلطان رئيس تحرير جريدة المصريون الإلكترونية ذائعة الصيت مقالاً يوم 31 يناير بعنوان (إعلام الإخوان ) أنتقد فيه الأداء الإعلامي للجماعة وطالب بأن تكون الأولوية لمن يتصدي للعمل الإعلامي داخل الجماعة لمن يمتلكون الأداء والمهنية والحرفية حتي ولو كان من خارج الجماعة بدل من أداء بعض أبناء الجماعة الضعيف واصفاً إعلام الجماعة بإعلام طائفي وإعلام "خاص" بتنظيم ديني وليس إعلاما وطنيا ملكا للمصريين وطالب بتفكيك "مراكز القوى" المنتشرة بين إعلامي الجماعة التي تستقي هيمنتها من "الشللية" والعمل لحساب "حامل الشيكات" أيا كانت أغراضه وحساباته التنظيمية….

وبعد نشر المقال بيومين نشر موقع إخوان أون لاين في باب آراء حرة مقال بعنوان :

(الصحفي المتطفل والتجريح المعلب ) لأحد صحفيي الموقع حمل فيه كاتب المقال بصورة مؤسفة وغير موضوعية علي الأستاذ سلطان وأمتلئ مقاله بالهمز واللمز (المعلب) والمباشر وصل إلي حد قلة الأدب ولم يعطينا للأسف رداً مقنعاً علي اتهامات سلطان للأداء الإعلامي للجماعة ...

وهذا نص المقال ورابطه :

http://www.ikhwanonline.com/Article.asp?ArtID=59869&SecID=390


بقلم: محمود جمال

[المؤسسات الإعلامية للجماعة- مع كامل تقديري للقائمين عليها- هي مؤسساتٌ بدائيةٌ ومتخلِّفةٌ مهنيًّا، تعتمد على الهواة أو على صحفيِّي الحركة، من الذين لم ينالوا قسطًا وافرًا من الخبرات الصحفية والوعي المهني والسياسي.. أحالوا الإعلام الناطق باسمها إلى "إعلام طائفي" وإعلام "خاص" بتنظيم ديني وليس إعلامًا وطنيًّا ملكًا للمصريين].

الكلمات السابقة كتبها أحد الصحفيين ناصحًا الإخوان بتغيير خطابهم الإعلامي على طريقة بوش الغابر، الذي طالب المسلمين بتغيير خطابهم الإعلامي!.

ولا يفوتنا أن ننوِّه إلى أن الكاتب الفذّ قد ألمح إلى أن الإخوان قد أخذوا بنصيحته الغالية السابقة حين طالبهم بتعيين ثلاثة متحدثين إعلاميين لهم، حسب ما صرَّح له بذلك د. عصام العريان في دردشة خاصة بينهما قبل الإعلان عن ذلك رسميًّا.

في البداية نعرِّف هذا الزميل المتقدم وغير المتأخر مهنيًّا والذي قد نال قسطًا وافرًا من الخبرات الصحفية والوعي المهني والسياسي؛ أن كل خبراته هذه لا تجعل قارئه (يتْخَم) أو يُخدع بما كتبه بين العارضتين، ألا وهو كامل تقديره للقائمين على إعلام الإخوان، وإذا صدقه في كامل أو "تامر" تقديره فسيكون قارئًا ساذجًا إذا احترمه أو أخذ برأيه بعد ذلك التقدير الكامل لقوم بدائيين ومتخلِّفين، هواة، ولاد ستين محظورة، لم ينالوا قسطًا وافرًا من النوم- عفوًا- من الخبرات والوعي... إلخ.

كان من الأفضل مهنيًّا وفكريًّا، والأنسب للسياق أن يقول الكاتب الصحفي المفكِّر بين عارضتين- مع كامل إشفاقي أو كامل الخلعي للقائمين عليها- إن الصفات التي ذكرت وصفًا للقائمين على الإعلام الإخواني تضع هذا الإعلام أقل بكثير من الإعلام القائم في مدرسة ابتدائية يُشرف عليه مدرس العلوم ويضطلع بمسئوليته تلاميذ رابعة خامس.

ولا نعرف على وجه الدقة ما هو الإعلام الذي يقصده الكاتب الصحفي المفكر:

هل هو ما يصدر عن مكتب الإرشاد؟

أم هو الموقع الرسمي للجماعة؟

أم يقصد ما يصدر عن أفراد الجماعة وما يصرحون به لوسائل الإعلام المختلفة؟

أم يقصد ما يصدر من كتب ومطبوعات تتبنَّى فكر الجماعة ورؤيتها؟

أم يقصد الكاتب جميع ما سبق؟

إن تحديد ما يرمي إليه الكاتب مهمٌّ جدًّا؛ لأننا إن لم نحدد المقصود بالضبط فلن يجدي النقاش بالتي هي أحسن أو حتى بالتي هي أسوأ؛ لأننا إذا تحدثنا عن المواقع سيقول: أنا لا أعنيها، وإذا تحدثنا عن الأشخاص وتصريحاتهم سيقول: لا أعني هذا.. وهكذا.

ومن باب سد الذرائع، والوقوف في وجه كل مائع- نقصد المائع من الموضوعات لا غير- نعتقد أن ما يصدر عن مكتب الإرشاد والكتب والمطبوعات لا تدخل فيما يقصده الكاتب؛ لأنها تتسم بشكل البيانات الرسمية والكتابات الأكاديمية، وأما ما يصدر عن الأشخاص فما هو إلا تعبيرٌ عن صاحبه ما لم يحمل صفةً رسميةً وتفويضًا بالحديث الإعلامي.

وما نتخيله- مجرد تخيل إلى أن تتضح الحقيقة ناصعة بيضاء- أن الكاتب يعني المواقع الإلكترونية الإخوانية؛ حيث لا تصدر مطبوعات صحفية للإخوان في مصرنا الحبيبة الحبيسة.

وحتى لا يتحول كلامنا إلى دفاع عن النفس لا نترفَّع عنه ولكننا لسنا في حاجة إليه بأي حال من الأحوال، نضرب مثالاً لآخر صحيفة أشرف عليها إعلاميو الإخوان وهي (آفاق عربية)؛ فقد كانت تحقق كل عام الانضباط المهني، ولا تقع في مخالفة مهنية واحدة أو تجاوز، بشهادة المجلس الأعلى للصحافة، وليتذكر من أراد أن يتذكر أو من كانت له ذاكرة من الأصل!.

أما بالنسبة للمواقع الإلكترونية الإخوانية، وعلى رأسها موقع الجماعة الرسمي (إخوان أون لاين) و(موقع إخوان ويب) الناطق باللغة الإنجليزية فيكفي شهادة المراكز المتخصصة والشخصيات المعتبرة على كفاءة وتميز وحرفية الأداء المهني في الموقعين المذكورين.

ولكن أغرب ما كتبه هذا الألمعي المتطفل قوله: "أحالوا الإعلام الناطق باسمها إلى "إعلام طائفي" وإعلام "خاص" بتنظيم ديني وليس إعلامًا وطنيًّا ملكًا للمصريين.."، ونتحدى بكل ثقة أن يذكر هذا المدَّعي أو غيره كلمة طائفية واحدة تورَّط فيها إعلام الإخوان في يوم من الأيام.

أمَّا كون هذا الإعلام إعلامًا خاصًّا فهو لعمري نكتة وأي نكتة!.

فالمعلوم من الإعلام بالضرورة أنه إعلام خاص بالإخوان، فإذا كان موقعًا رسميًّا يتحدث باسمهم فلا شك أن يكون إعلامًا خاصًّا جدًّا، ولا يمكن أن يكون متحدثًا عن الحزب الوطني مثلاً.

اللعب بالألفاظ والكلمات أمر صعب، وبحمد الله يملك الإخوان كثيرًا من الإعلاميين الذين يُجيدون هذا الفن، ولكن تمنعهم أخلاق الإخوان من مجاراة من يتطاول عليهم أو الرد المفعم عليهم.

وليتذكر هذا الصحفي وغيره اتصالاتهم وبكاءهم إذا ردَّ عليهم أحد إعلاميِّي الإخوان ببعض أسلوبهم الذي يتطاولون به على الإخوان وقيادات الإخوان، بل جعلوا هذا التطاول سبوبةً للارتزاق والعيش وترويجًا لمواقعهم وصحفهم الإلكترونية.

إن الصحافة النظيفة التي تنأى بنفسها عن الانغماس في معادلات الدولارات أو الريالات أو الإعلانات وما يعلمه الأخ الصحفي؛ لا تُنقصها الخبرة أو المهنية، ولكن تُنقصها الدناءة والتهافت والصفاقة والبذاءة، وهذا لا يعيبها!.

يعترف صحفيُّو الإخوان وإعلاميوهم بجوانب كثيرة محلَّ النقد والحاجة إلى التطوير والإبداع والوصول إلى ما هو أفضل، ولا يدَّعون- ولا يجوز لهم أو لغيرهم- الوصول إلى القمة والترفع عن النقد أو اللوم، ولكل مؤسسة ضوابطها ومعاييرها ورؤيتها أو رؤية أصحابها التي يلتزم بها العاملون، فليس من المعقول شرعًا أو عقلاً أو مهنيًّا أن يأتي صحفيٌّ بجريدة (الوفد) ليدشن حملة دعاية للحزب الوطني على صفحات الوفد!.

في النهاية أقول بكل تواضع لهذا الصحفي ولغيره: مرحبًا بكل نقد نزيه، ولكن نعتذر عن قبول التجريح المعلَّب في صورة النقد لأسباب في بطن الشاعر أو كرش الصحفي، وإذا كان الحديث عن المهنية والخبرات فنحن على استعداد كامل- مثل كامل تقديري- لإعطاء دورات وشهادات لمن هو على شاكلة كل سبَّاب وشتَّام، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

---------

* صحفي في (إخوان أون لاين)




وللنظر لبعض العبارات التي وردت في رد الكاتب المحترم :

"الكلمات السابقة كتبها أحد الصحفيين ناصحًا الإخوان بتغيير خطابهم الإعلامي على طريقة بوش الغابر، الذي طالب المسلمين بتغيير خطابهم الإعلامي"

"وإذا صدقه في كامل أو "تامر" تقديره فسيكون قارئًا ساذجًا إذا احترمه أو أخذ برأيه بعد ذلك التقدير الكامل لقوم بدائيين ومتخلِّفين، هواة، ولاد ستين محظورة، لم ينالوا قسطًا وافرًا من النوم- عفوًا- من الخبرات والوعي "

"ومن باب سد الذرائع، والوقوف في وجه كل مائع- نقصد المائع من الموضوعات لا غير"

"وليتذكر هذا الصحفي وغيره اتصالاتهم وبكاءهم إذا ردَّ عليهم أحد إعلاميِّي الإخوان ببعض أسلوبهم الذي يتطاولون به على الإخوان وقيادات الإخوان، بل جعلوا هذا التطاول سبوبةً للارتزاق والعيش وترويجًا لمواقعهم وصحفهم الإلكترونية."

"إن الصحافة النظيفة التي تنأى بنفسها عن الانغماس في معادلات الدولارات أو الريالات أو الإعلانات وما يعلمه الأخ الصحفي؛ لا تُنقصها الخبرة أو المهنية، ولكن تُنقصها الدناءة والتهافت والصفاقة والبذاءة، وهذا لا يعيبها"

"ولكن نعتذر عن قبول التجريح المعلَّب في صورة النقد لأسباب في بطن الشاعر أو كرش الصحفي، وإذا كان الحديث عن المهنية والخبرات فنحن على استعداد كامل- مثل كامل تقديري- لإعطاء دورات وشهادات لمن هو على شاكلة كل سبَّاب وشتَّام، ولله الأمر من قبل ومن بعد."

أكتفي بهذا القدر من المقتطفات الهزلية في هذه المقالة العجيبة وأود أن أوضح بعض النقاط :

(1) أري أن تناول الأستاذ محمود سلطان للأداء الإعلامي للمواقع الإخوانية كان تناول موفق ولكن أخذ عليه استخدام لفظ إعلام طائفي ولو أستخدم لفظة إعلام فئوي لكل أفضل لشرح الحال وليس فيه تجني علي أحد

(2) نشر هذا المقال في باب آراء حرة وأتعجب للغاية وأتساءل ... هل هي حرة فقط في السباب للمخالفين ولماذا لا تكون حرة في نقل وجهات نظر جديدة ومغايرة للوضع الحالي ..؟

(3) يشبه الكاتب طلب سلطان بتطوير الخطاب الإعلامي للإخوان بطلب بوش للمسلمين ..!! وهنا سقطة مريعة للكاتب لا تعبر عن مأزق إعلامي ولكنه مأزق في الفهم يعانيه البعض في تصوره أن نقد الإخوان هو نقد للمسلمين والإسلام ..وهل يجوز يا سيادة الكاتب النابه أن تشبه كاتب يدافع عن الكلمة والحرية ويقد ضد التمدد الشيعي والتطرف الطائفي من كلا الجانبين بالرئيس بوش الذي أعلنها حرباً صليبية علي المسلمين ..!!

(4) يستظرف الكاتب عدة مرات بصورة ممجوجة ويعيش لنا في دور الكاتب الساخر عندما قال :

(كامل أو "تامر" تقديره) (كامل إشفاقي أو كامل الخلعي) (استعداد كامل- مثل كامل تقديري ) ولا أفهم ما هي مشكلة (كامل) معه ..! وهل تعلم قيمة المطرب الراحل كامل الخلعي لكي تستدعيه بغير مناسبة في كلامك ..؟

(5) يتساءل الكاتب عن ما يقصده سلطان من المقال هل هو الخطاب الإعلامي لمكتب الإرشاد أم المواقع أم إفراد أم يقصد كتب ومطبوعات الجماعة ... وأعتقد أن الكاتب لم يجهد نفسه في قراءة المقال وعلي طريقة (سلق البيض ) الذي يتبعها للأسف قلة من شباب الإخوان في قراءة المقالات ...

قراءة العنوان وكلمتين من الموضوع و(هاتك) يا شتيمة ... وأجيب لسيادته علي تساؤله بدل من أن يرهق نفسه في إعادة قراءة المقال بل يقصد المواقع الإخوانية التي أتحفتنا بالتعرف علي كتاباتك ..!

(6) لا أفهم أين الميوعة ..؟ وسلطان كان محدد في كلامه وصريح للغاية أما ما اعتقده ميوعة فعلاً في وجهة نظري مع اعتراضي علي اللفظ جملة وتفصيلاً فهي عدم ذكر أسم محمود سلطان بشجاعة وفروسية والسير علي درب كثير من يكتب في اللف والدوران دون شجاعة المواجهة والجراءة في النقد

(7) يضرب الكاتب لنا المثل بجريدة آفاق عربية التي تم وقفها منذ زمن بأنها كانت نموذج للانضباط المهني ومع كامل احترامي للجريدة والعاملين فيها وكثيراً منهم أصدقاء لي إلا أن هذه الجريدة كانت أشبه بنشرة إخوانية وكانت تفتقد للكثير من مقومات الصحافة أصلاً وأذكر عند مناقشتي لأحد القيادات الكبيرة للإخوان وهو حي يرزق عن سوء أداء الجريدة من محتوي صحفي وخبري فرد علي قائلاً (إحنا عارفين كده لأنه لو طورناها وانتشرت كثيراً سيتم وقفها ..! )

(8) أما قول الكاتب أن موقع أخوان أون لاين وأخوان ويب علي كفاءة وتميز وحرفية بشهادة المراكز المتخصصة والشخصيات المعتبرة فليسمع لي الكاتب الظريف أن أستعير عبارة من مقالته وأقول :

فهو لعمري نكتة وأي نكتة!.ألم تقرأ سيادتك رأي أ.د. حامد عبدالماجد قويسي أستاذ النظم السياسية بجامعتي القاهرة ولندن في أداء المواقع الإخوانية في مقاله الهام (التعامل الإعلامي والدعائي مع قضية الانتخابات الإخوانية ) ... بل أنظر في رأي الكثير من شباب الإخوان في أداء الموقع الرئيسي للجماعة ..! ولماذا الربط الآن بين الموقع الرئيسي وبين موقع إخوان ويب ..؟ وأتحداك أن تذكر السبب في عدم وجود رابط لموقع إخوان ويب علي موقع الجماعة الرئيسي .. بل عدم ذكره أصلاً في المواقع الإخوانية المختارة بالموقع !!

(9) أما النقطة المحورية للمقال والتي يتغني بها قليلوا الحيلة بأنه ليس من المعقول شرعًا أو عقلاً أو مهنيًّا أن يأتي صحفيٌّ بجريدة (الوفد) ليدشن حملة دعاية للحزب الوطني على صفحات الوفد.. فأقول له ومن قال لك أننا نريد تدشين حملة للمعارضين للإخوان علي موقعهم ..؟ ومنذ متي تعقد مقارنات مع أداء الوفد ..؟

يا عزيزي كل ما نطلبه هو الرأي الأخر ... كل ما نتمناه أن يقدم الإخوان نموذج لتحمل الرأي المخالف وهي فرصة رائعة للرد عليه وتفنيده بدل الحجر عليه واستئصاله ..؟ هل تقليد الوفد أو الوطني بأن يكون الموقع أو الصحيفة ملاكي هو الأصل ...!!

(9) أما حديث الاسترزاق والسبوبة والريالات والدولارات فهذا كلام لا يستحق الرد عليه لأنها اتهامات حقيرة تغتال الأشخاص بدم بارد دون دليل أو شهود ...وليرينا الكاتب المهني الموضوعي الغير معلب الغير متطفل دليل واحد علي اتهامه وهل كان حاضراً أثناء تسليم الريالات والدولارات ..!!!

(10) وبالنسبة لاستخدام ألفاظ مثل (الدناءة) و(التهافت) و(الصفاقة) و(البذاءة) فأنا أحيلها لفضيلة المرشد الجديد الدكتور بديع ليري كيف يرد صحفي الموقع في بدايتك ولايتك علي من ينتقدهم ...!

أخيراً .. يجب أن أقول أن الأستاذ محمود سلطان لا تربطني به علاقة شخصية بل علي العكس أنا أختلف معه في بعض ما يكتب وفي بعض ما تنشره جريدة المصريون الذي يترأس تحريرها لكن عندما نجد أن مواقع أقباط المهجر وبعض المواقع العربية المشبوهة تشن هجوماً حاداً علي هذا الرجل فلا بد أن نحترمه ..

وعندما ننظر لتبني جريدة المصريون وجهة نظر مشرفة تجاه الحريات ومناهضة الاعتقالات والظلم في بلادنا فلابد أن نقدره ....

ويجب أن يكون عندنا مروءة ووفاء وأن نذكر دور جريدة المصريون في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة عام 2005 وفضحها للتجاوزات والتزوير ... وغيرها من مئات المواضيع الهامة والحيوية ..

لن يمنعنا خبر هنا وهناك لبعض المحررين المراهقين في الجريدة يتناول سلوك شخصي لبعض قيادات الإخوان بأن نعمل (delete) علي جريدة وطنية وقوية وذات جمهور ...

أما كاتب المقال الذي ذيل المقالة بتعريفه بأنه صحفي بموقع أخوان أون لاين فلقد أكدت بتعريفك هذا المأزق الذي يعيشه الموقع ...!

الموضوعية يرحمكم الله...

م : هيثم أبوخليل

باحث وناشط حقوقي

الاثنين، ١ فبراير، ٢٠١٠

الدولة الوطنية و طرح الحركة الإسلامية

الدولة الوطنية وطرح الحركة الاسلامية

كتبها / عبد الرحمن عياش







عندما أنشأ حسن البنا رحمه الله جماعة الإخوان المسلمين ، أنشأها كبديل عملي لمشروع الخلافة الإسلامية الذي لم يكن قد مضى على سقوطه خمس سنوات ، فإعلان الدولة التركية في مارس 24 ، قابله بشكل ما ، إنشاء جماعة الإخوان المسلمين في عام 28، و هو ما أعطى بعدا أمميا للجماعة ، ليس فقط بسبب الظرف التاريخي لسقوط الخلافة ، و لكن هذا السبب كان الأكبر بطبيعة الحال.
فطرح الأستاذ البنا ، و فكرة الحكومة المسلمة التي تنطلق للخلافة الإسلامية و منها إلى أستاذية العالم ، أزكى هذا التوجه في فكر الإخوان المسلمين ، كبرى الحركات الإسلامية في العالم.
و مع رحيل الاستعمار الأجنبي عن البلاد العربية مع منتصف القرن العشرين و قبله و بعده ، و بداية تشكيل حكومات وطنية في كل الدول العربية و الإسلامية ، و إعادة تشكيل الخريطة في بعض مناطق العالم ، الهند على سبيل المثال و نشأة باكستان ، ابتعد الواقع أكثر و أكثر عن الجامعة الإسلامية ، أو المنظور الإسلامي أو القومي للوحدة .
لكن العديد من الحركات الإسلامية ، لم تطور كثيرا من خطابها ، أو من مفاهيمها ، رغم تطور مفهوم الدولة ذاته ، و انتقاله ، إلى مرحلة الدول الوطنية . بل إن بعض تلك الحركات الإسلامية ، بصفتها رد فعل لسقوط الخلافة ، استطاعت أن تنشئ كيانات ضخمة ، تعطي لها ذلك البعد الأممي الذي افتقدته الدول الإسلامية مع سقوط الخلافة.
الطرح الذي يهمني أن نتناقش حوله أو نطرحه على دوائر البحث في "مطابخ" الحركة الإسلامية ، و الإخوان على وجه الخصوص ، هو مدى جدوى التفكير بهذا الشكل ، و هل هناك بالفعل معنى للتفكير في "الخلافة الإسلامية" بمعناها التراثي ، و هو ما يعتقده عشرات الآلاف من الجنود المخلصين للحركة الإسلامية في مصر و حول العالم .
و هل لو اختلفنا أو اتفقنا حول أن هناك إمكانية تاريخية ، و واقعية ، و مقاصدية ، للتفكير في الخلافة الإسلامية كهدف للسعي وراءه ، و تحفيز الجموع الغفيرة و استنفارها له ... هل هذا يعني أن هذه الحركة أو الحركات ، يجب أن تطبق في نفسها نموذج الخلافة الإسلامية أو الدولة الأممية؟
إن ما أعنيه يمكن أن ألخصه في نقطتين أساسيتين :
نقطة التنظير في بعدها الحركي: و أعني بها مدى وضوح المفهوم عند جنود الحركة الإسلامية الذين يسمعون و يطيعون ، و هم عندما يسمعون الأستاذ عاكف يقول أنه ليس لديه مشكلة في أن يحكم مصر مسلم ماليزي ، فهم سيأخذون الكلام على ما يعتقدون أنه فكر الجماعة ، القائم على المفهوم المتعولم الشامل ، فبالتالي يبدو ما قاله الأستاذ المرشد السابق ، ليس زلة لسان بالنسبة للعديد من شباب الحركة الإسلامية ، لكنه معبر واقعي عن التوجهات التي تتخذها الجماعة ، بداية من الفكر و الأدبيات ، و انتهاء بما يعرف بالتنظيم الدولي ، و انتشاره في أكثر من كذا و كذا دولة حول العالم .
النقطة الثانية هي نقطة التنفيذ في البعد الواقعي : فهل يمكن تطبيق فكرة الخلافة بمفهومها التقليدي ، في هذا الوقت ، و مع هذه التطورات على مستويات عديدة تبدأ عند مفهوم الدولة الحديثة ، و تنتهي عند المقصد من وجود الخلافة بشكلها التقليدي.
-----------
عندما نتحدث عن التنظير الحركي للخلافة الإسلامية ، و دور الحركة الإسلامية فيها ، نجد أن طرح الأستاذ البنا يعزز فكرة الإخوان و دورهم في بناء الخلافة الإسلامية بصفتها غاية حقيقية لتوجيه العمل و تحفيز الصف. و أكد هذه الفكرة في عقول الصف الإسلامي و الإخواني على وجه الخصوص ، التأكيد الدائم على انتشار التنظيم فيما يقرب من ثمانين دولة حول العالم .
لي هذا فحسب ، بل إن الأمر تجاوز التنظير ، إلى الواقع المعاش ، فاهتمام الحركات الإسلامية منصب تماما على البعد الإسلامي (الأممي) ، فكانت أول مظاهرة للإخوان المسلمين لمناقشة أوضاع وطنية ، هي مظاهرات الإصلاح 2004 .
لكن بنظرة سريعة على تاريخ الحركة الإسلامية ، و مواقفها المختلفة ، و توجه أبناءها ، ندرك أن الاهتمام بالقضايا الوطنية ، يأتي في مرتبة ثانية أو ثالثة ، بعد قضايا لا يمكن أن نتجاهلها ، لكنها تؤكد أن مفهوم الدولة الأممية طغى على مفهوم الوطن عند العديد من أبناء الحركة الإسلامية .
كما أن الحركة الإسلامية التي تعطي لنفسها بعدا أمميا على المستوى التنظيري ، يظهر ذلك في رؤيتها لذاتها واقعيا و عمليا ، فمثلا ، يقدس العديد من أبناء الحركة الإسلامية التنظيم على الدولة ، و هذا واقع عملي ، و إن لم يقله أحدهم ، بل إننا يمكن أن نلحظ ذلك بشكل ما في الشكل الذي أديرت به الانتخابات الأخيرة لمكتب الإرشاد ، و النتائج التي أسفرت عنها تلك الانتخابات ، و التي تؤكد تغليب معظم أبناء الحركة الإسلامية للتنظيم و بناءه ، و الحفاظ عليه ، من الاهتمام بالتواصل مع المجتمع ، أو مدى القبول الوطني الداخلي للحركة الإسلامية و للمشروع الإسلامي بوجه عام. و أتحدث هنا عن إقصاء الوجوه المعتدلة التي تستطيع إجراء حوارات مع النظام ، و المعارضة ، و لديها قبول من جميع الأطراف الفاعلة على الساحة ، إقصاء هذه الوجوه لصالح الوجوه التنظيمية ، التي يظهر التنظيم في أفكار بعضها غاية و ليس وسيلة.
أعتقد أن المهم في الفترة المقبلة هو توضيح الأولويات ، بشكل عملي ، و ليس في خطابات التنصيب و الرسائل الأسبوعية ، فمثلا يجب أن يكون هناك حلول حقيقية للأزمات المختلفة التي يعانيها الوطن ، لتظهر مدى تفاعل أبناء المشروع الإسلامي مع قضايا المواطن المصري ، الذي بالطبع ستختلف وجهة نظره عندما يسمع هتافات الإخوان في مظاهراتهم ضد الظلم و ضد الاستبداد ، قبل أن يستمع إلى هتافاتهم ضد احتلال العراق و أفغانستان .
لا أدعو هنا إلى توجيه جهدنا للداخل و نسيان قضايا الأمة الكبرى ، لكن يجب علينا أن نجتهد في إصلاح البيت الداخلي (مصر في حالتنا) قبل أن نجتهد في تحفيز الناس للعمل لقضايا الأمة .
إنني أقول أنه ينبغي علينا أن نعلن و بوضوح أن الحركات الإسلامية ليست مجتمعا منفصلا عن الوطن ، تختلف مصلحته عن مصلحة الوطن ، أو يبدو كل منهما في طريق ، لكن المصلحة واحدة ، و اختيار الجماعة لقرار ما يكون بناء على فهم عميق لوضع الوطن و فئاته المختلفة و مكوناته المختلفة .
إن واجب الحركة الإسلامية في هذه المرحلة أن تسعى لوضع مفهوم وطني يضمن تركيز جل اهتمامها على الواقع المعطوب الذي ينبغي علينا إصلاحه ، مع عدم نسيان القضايا الكبرى ، التي من الممكن اعتبارها من صميم القضايا الوطنية ، مثل الاحتلال الاسرائيلي على حدودنا الشرقية ، أوغيرها من القضايا التي من الممكن أن تأخذ بعدا وطنيا يضاف إلى بعدها الأممي الإسلامي .
كما أن هذا المفهوم الوطني يجب أن يترجم إلى واقع ، فمبادرة الإصلاح التي أعلنها الأستاذ عاكف في مارس 2004 ، و التحالف الوطني الذي برز فيه الدكتور محمد حبيب ، و الراحل عزيز صدقي ، يجب أن يعاد تفعيلهما بشكل عملي ، و هذا يتطلب بالطبع جهدا وطنيا مشتركا ، من جميع الاطراف الوطنية المعارضة ، و التي تريد مصلحة هذا البلد .
كما يجب الفصل الحقيقي و الواقعي ، بين أبناء الحركة الإسلامية في الأقطار المختلفة ، فليس من المنطقي ولا من المقبول ، أن يكون هناك تنظيم شمولي ، يسيطر ، و هذا ليس موجودا حسب ما نعلم ، لذلك فمن وجهة نظري أن وجود تنظيم عالمي ، و مجلس شورى عالمي ، و مكتب إرشاد عالمي ، في حالة الإخوان المسلمين ، هو من معوقات هذا الفهم ، و هذا التطبيق ، لأن الفكرة العالمية ليست بحاجة إلى تنظيم عالمي ، و من الممكن أن نوجد ببساطة بديلا لفكرة التنظيم الدولي ، بشكل أهدأ ، و يحترم الأنظمة الوطنية ، و لا يمنع الاستفادة من الخبرات المختلفة ، لكن ليس باسم التنظيم الدولي .
كما أننا نرهق أنفسنا في تحقيق مفهوم الوحدة حيث لا يجب ولا يجوز تحقيقه ، فنحققه في تنظيماتنا الضيقة ، و نعولمها ، و نعطيها شكلا شموليا مقيدا ، و نريح ضمائرنا قائلين أننا على الطريق ، و نحن أبعد ما نكون عنه واقعا و نظرية .
هذا بخصوص النقطة الأولى المتعلقة بالتنظير و علاقته بالواقع الحركي للحركات الإسلامية و المؤمنين بالمشروع الإسلامي .
---------
النقطة الثانية و المتعلقة بالتنفيذ ، أظن أنه يمكن إظهار البديل الأممي في شكل أوضح ، و تحوير الهدف أو إعادة صياغته ليصبح كومنولث إسلامي ، أو وحدة آسيوية إفريقية ، أو غيرها من مصطلحات و أهداف تناسب الواقع ، ولا تنفي فكرة الدولة الوطنية و سيادتها ، و كذلك لا تبتعد كثيرا عن أحلام ملايين الإسلاميين الذين ينتظرون بفارغ الصبر الخليفة الذي يلبس ريشة ، يحكم ، و يفتح الدنيا و يعيد أسبانيا إلى أحضان المسلمين !
فليست الخلافة هل الحل في هذه المرحلة ، بمعناها الشمولي ، لكن تجمعات الدول ، الاتحاد الاوروبي مثالا ، و ربما في مرحلة ما يبدو الحل الفيدرالي مناسبا للأمة ، لكن هذا سيكون في مرحلة متقدمة للغاية ، لا أظن أن هناك مجالا للحديث عنها الآن ، إلا من باب التنظير العميق حول ما يمكن أن تكون عليه الدولة .
إن علينا أن نوضح تماما أمام أنفسنا و أمام العالم ، إلى أي اتجاه نسير ، و ما هي أهدافنا و أولوياتنا ، بشكل عملي على الأرض .